خشية الله وأثرها على العبد
خشية الله وأثرها على العبد
  | 1771   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: خشية الله وأثرها على العبد.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 11 شوال - عام 1440هـ في مسجد السعيدي.

   
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحدِيث كلام الله، وخير الهديِ هدي محمدٍ r وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ فِي النار، أما بعد.. عباد الله: يقول المولى I في كتابه المبين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾[الملك:12] ففي هذه الآية العظيمة يبين -سبحانه- أن من خشي الله U فقد وعدهم الله المغفرة والأجر الكبير، ومن الأجر دخول الجنة والنجاة، وما ذاك إلَّا لأن خشية الله -سبحانه- يترتب عليها أداء فرائضه وترك محارمه والوقوف عند حدوده، لأن الخاشي لله هكذا حاله، فالخاشي لله يبتعد عن معاصيه ويسارع إلى مراضيه، وإلَّا فهو كاذبٌ في دعواه. فالخشية الحقيقية تثمر أداء الفرائض، وترك المحارم، والمسارعة إلى الخير، والوقوف عند الحدود التي حدَّها -سبحانه-؛ ولهذا علَّق الله U بالخشية المغفرة والجنة، فلولا أن الخشية لله تقتضي أداء الفرائض وترك المحارم لما علّق بها حصول المغفرة من صاحبها والأجر الكبير. بهذا يُعلم -عباد الله- أن خشية الله U، وخوفه -سبحانه- يترتب عليهما كل خير، كما يترتب عليهما البعد عن محارم الله، ويترتب عليهما الوقوف عند حدود الله خوفًا من الله وخشيةً من عذابه؛ ولهذا يقول المولى U: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾[الرحمن:46]، فيقول سبحانه: أن من خاف مقام الله فقد وعده الله بجنتين، وما ذاك إلَّا لأن خوف الله يقتضي فعل الطاعات والفرائض، والحذر من الحُرمات والوقوف عند حدود الله. ويقول المولى سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾[النازعات:40-41]، فالخائف مقام الله ينهى النفس عن هواها، ويعصيها في هواها المخالف لشرع الله، ويُلزمها بطاعة الله، ويجاهدها في ذلك حتى تستقيم على الخير، وحتى تنقاد للطاعة التي أوجبها الله عليها، وحتى تبتعد عن معاصي الله. والنفس على ما روضها الإنسان عليه، فإن جاهدها لله وحاسبها وأوقفها عند حدّها، استقامت وسارت على الطريق، وإن أهملها وتساهل معها جرته إلى المهالك؛ لأنها مدخل الشيطان، فهو يُزين لها كل سوءٍ ويثبطها عن كل خير؛ كما قال U: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾[يوسف:53]. فعليك يا عبد الله أن تجاهد هذه النفس، وأن تُعنى بها غاية، وأن تعودها طاعة الله ورسوله، وأن تعودها الحذر من محارم الله، وهي على ما عودتها عليه، فالنفس إن عودت المعاصي والكسل والتهاون بأمر الله، اعتادت ذلك وسارت عليه وثقل عليها ما يرضي الله، وإن عودت السير في الخير والمسارعة إلى الطاعات والحذر من المعاصي، اعتادت ذلك وسارت عليه، والتوفيق بيد الله جلَّ وعلا. ولكن أنت يا عبد الله مأمورٌ بالأسباب، فعلى كلٍ منا أن يجاهد هذه النفس، وأن يحاسبها لله قبل أن يحاسب، وأن يسعى دائمًا لخلاصها من عذاب الله. قال بعض السلف عن جهاده نفسه، وعن تعبه إياها، فقال: (راحتها أريد)، بعض أسلافنا الصالحين كان كثير العبادة، وكثير العمل من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك، فقال له بعض أصحابه: (أتعبت نفسك؟ فقال مجيبًا لهم: راحتها أريد)، يعني راحتها أريد يوم القيامة بما أتعبتها هذا اليوم في الدنيا بقصد راحتها يوم القيامة من عذاب الله وغضبه. فالمؤمن إذا جاهد نفسه اليوم، فهو يجاهدها لراحتها؛ لتنجو من عذاب الله، لتفوز بالنعيم المقيم يوم القيامة في دار الكرامة، دار السرور والسعادة، تلك الدار التي قال الله U عنها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (48) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾[الحجر:45-48]، فهي دار النعيم المقيم، يقال لأهلها يوم القيامة: يا أهل الجنة: «يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتأسوا أبدًا». فنعيمهم دائم، وشبابهم دائم، وصحتهم دائمة، وخيرهم كثير ونعيمهم مقيم. أما هذه الدار -در الدنيا- فهي دار التأوهات، ودار الأكدار، ودار الأمراض والأحزان ولو طالت الحياة، ولو عاش الإنسان حياته كلها بكامل الصحة، فإن المصير الموت لابدّ منه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[آل عمران:185]، فدارٌ عاقبتها الموت والزوال لا قيمة لها إلَّا لمن عمل فيها بالصالحات، فهي دارٌ عظيمة لمن تزود فيها من الخير، لمن جاهد نفسه لله، لمن سار على الطاعات، لمن سارع إلى الخيرات. هي مزرعة العباد، هي هذه الدار مزرعة العباد للآخرة، من زرع فيها ما يرضي الله ويقربه إليه، وحذر فيها محارم الله حصد يوم القيامة كل سعادةٍ وكل خير، وفاز بالنعيم المقيم وحمد العاقبة -جعلنا الله وإياكم منهم-، ومن أعطى نفسه هواها، وتساهل في أمر الله، وتكاسل عن الصلوات، وبخل بالزكاة، وتهاون بالصيام، وأقدم على الفواحش والمنكرات ندم يوم القيامة، وصار يتحسر على ما أسرف فيه إلَّا من رحم الله، فمنّ عليه بالعفو أو وفقه بالتوبة النصوح قبل الموت. فأنت يا عبد الله على خطر، واتل قوله -تعالى- في حق من أعطى نفسه هواها: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾[النازعات:37-39]، وقال U: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾[الزخرف:74-76]، وقال في حق الجميع الأبرار والفجار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾[الانفطار:13-14]. يروى أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازمٍ التابعي الجليل: (يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟! قال: لأنكم عمَّرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فكرهتم أن تخرجوا من العمار إلى الخراب). فعليك يا عبد الله بخشية الله، علينا أن نحاسب أنفسنا، وأن نجاهدها لله -سبحانه-، ومن أعظم الأسباب لخشية الله وتعظيم حرماته: تدبر القرآن، والإكثار من تلاوته، والتفكر في المصير بعد الموت، ما يكون بعد الموت، التفكير في القبر، هل يكون روضةً من رياض الجنة أو حفرةً من حفر النيران، والتفكير بالبعث والنشور، هل أنت من أهل الجنة أو أنت من أهل النار. فالتفكير في هذا والعناية به من أعظم أسباب خشية اللهU، ومن أسباب تعظيم الله I، ومن أسباب المسارعة إلى مراضي الله، ومن أسباب الحذر من معاصي الله، فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين لخشيته حق الخشية، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد.. عباد الله: إن البكاء من خشية الله U هو دأب الصالحين، وقد جاء الثناء على صاحب القلب اللين والعين الباكية من خشية الله، فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله r: «لا يلجُ النار رجلٌ بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم». ولقد ذكر رسول الله r أن من بكى من خشية الله U، كان تحت ظل عرش الرحمن يوم القيامة، يوم لا ظل إلَّا ظله، «سبعةٌ يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلَّا ظله، وذكر منهم: "ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «عينان لا تمسهما النار، عينٌ بكت من خشية الله وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل الله»، وقال r: «ليس شيءٌ أحب إلى الله من قطرتين وأثرين، قطرةٌ من دموع خشية الله، وقطرة دمٍ تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثرٌ في سبيل الله، وأثرٌ في فريضةٍ من فرائض الله». فيجب على العباد أن يستعدوا ليوم المعاد، فعن البراء t قال: «كنا مع رسول الله r في جنازة، فجلس على شفير القبر فبكى حتى بلّ الثرى، ثم قال: "يا إخواني لمثل هذا فأعدوا"». لمثل هذا عباد الله فأعدوا، فمن خاف في الدنيا من الله وخشي عقاب الله، أمن في الآخرة من عذاب الله، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: عن النبي r يروي عن ربه -جلَّ وعلا- قال: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمّنتُهُ يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة». اللهم اجعلنا من الخاشعين والذاكرين الله كثيرًا، اللهم وفقنا لمرضاتك وجنبنا معصيتك يا رب العالمين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، ربنا اغفر لنا ولوالدين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.