فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
  | ,, 496   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة بعنوان : فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في يوم 11 محرم - عام 1434هـ في مسجد السعيدي.

 
  • الخطبة الأولى:
  إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ما بعد:- فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلاله في النار، أما بعد:- عباد الله، اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله عز وجل لما بعث نبيه -صلى الله عليه وسلم- اختار له من الأصحاب أفضل الناس بعد النبيين، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقاها علمًا، وأقومها عملًا، وأقلها تكلفًا، جاهدوا في الله حق الجهاد في حياة نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، وبعد وفاته فنصر الله بهم الدين، وأقام بهم الملة، ونصرهم به وأقامهم على كل الأديان بعدها، يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد فصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون عن دينهم" -رضي الله عنه-. وكان منهم الخلفاء الراشدون، الأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه يعدلون، أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وعلي أبو السبطين، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وقد تكلمنا عن فضائل أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- فيما مضى، أما عمر الفاروق ففضائله كثيرة ومناقبه جمة، فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: «بينا نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قال: بينا أنا نائم فرأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ بمكان بقصر، ووقلت لمن هذا القصر؟ قالوا لعمر: فتذكرت غيرته فوليت مدبرا، فبكى عمر -رضي الله عنه-، وقال: أعليك أغار يا رسول الله » وهذه بشارة منه -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل  الجنة، وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجًا أخر» متفق عليه. وقد كان من المحدثين الملهمين الموفقين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي أحد فعمر». وكان -صلى الله عليه وسلم- يشهد له بالإيمان، ويعلم أنه مصدق النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بينما راع في قدمه عاد الذئب فأخذ منها شاة فضربها حتى استنفذ فالتفت إليه الذئب، فقال له: من لها يوم السبع يوم ليس لها راعٍ غيري، فقال الناس: سبحان الله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر، وما ثم أبو بكر وعمر» أي ولم يكونا موجودين. وكان عمر -رضي الله عنه- صاحب علم ودين، شهد له بذلك نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: «بينا أنا نائم رأيت الناس يخافون علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثُدي، ومنا ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين» أما شهادة له بالعلم فعن أنس -رضي الله عنه-، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بينا أنا نائم شربت» يعني من اللبن «حتى أنظر إلى الزيت يجري في ظفري أو في أظفاري، ثم ناوله عمر، فقالوا: يا رسول الله فما أولته؟ قال: العلم» وكذلك بشره رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وأنه يموت شهيدًا، ففي حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: «ائذن له وبشره بالجنة» أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «ائذن له وبشره بالجنة» وقد عده -صلى الله عليه وسلم- من العشرة المبشرين بالجنة، ولما صعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أحداً وكان معه أبو بكر، وعمر، وعثمان فرجف بهم الجبل، فضربه برجله وقال: «أثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق، أو شهيدان» رواه البخاري. أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه يموت شهيدًا. وكان عمر -رضي الله عنه- من أحب الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عمرو بن العاص، أنه سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-، من أحب الناس إليك، قال: «عائشة، قال فمن من الرجال؟ قال: أبوها، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر، ثم عدد رجلا» وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه رأى في المنام أنه كان ينزح من بئر فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين» أي دلواً أو دلوين «قال ثم أخذ بن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت من يده غربا، فلما أرى عبقريًا من الناس يفري فريه» أي صاحب عملا يعمل مثل عمله «حتى ضرب الناس بعطن» ولقد صدق الله ورسوله الرؤيا، فتولى الخلافة عمر بعد أبي بكر -رضي الله عنه-، وقوم يدخلون الإسلام وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد الشام، والعراق، ومصر، وفارس، وكان قائمًا بالعدل بين الرعية مهتما بشأنهم وقافًا عند كتاب الله، ممتثلًا لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، محتذيًا حذو صاحبيه لا يحابي في دين الله أحدا لا قريبا ولا صديقا الناس عنده  سواء. ويروى عنه أنه كان إذا نهى عن شيء جمع أهله، فقال: "إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنهم لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، والله لا أجد احدًا منكم فعل ما نهيت عنه إلا ضاعفت عليه العقوبة". وكان يقوم في الناس في مواسم الحج، فيقول: إني لأبعث عليكم عمالي ليضربوا جلودكم وليأخذوا أموالكم، ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم ويحكموا فيكم بسنة نبيكم، فمن فلُعل فيه سوى ذلك فليرفعه إلي" وهكذا كان قائما بالعدل إلى أن قتل شهيدًا قتله أبو لؤلؤة المجوسي لعنه الله، إذ طعنه، وهو يصلي بالناس فمات شهيدًا. عن المسور بن مخرمة -رضي الله عنه- قال: لما طعن عمر جاءنا يألم، فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه، يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عليك راض، ثم صحبت أبو بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقهم وهم عنك راضون. ولما وضع عمر على سريره -رضي الله عنه- جعل الناس يثنون عليه ويدعون له، ولما رأه علي -رضي الله عنه- ترحم عليه، وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله، إن كنت لا أظن أن يجعلك الله مع صاحبك وذاك أني كنت أكثر ما أسمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجوا أن يجعلك الله معهما متفق عليه، ثم دفن -رضي الله عنه- مع صاحبيه. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للقائه، وأن يعيننا على اقتفاء آثارهم، وعلى حبهم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى أله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:- عباد الله، فإن من الحقوق الواجبة على المسلمين أن يحبوا أهل الإيمان وأولياء الله، وعلى رأسهم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيوالونهم ويتبرؤون ممن يخالفهم ويقدح بهم، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» رواه البخاري. وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من سب أصحابي فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين». يقول الطحاوي رحمه الله: ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نفرق في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. يقول الإمام يحيى ابن معين رحمه الله: كل من يشتم عثمان أو طلحة أو أحدا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو دجال لا يُكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فأحبوا صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخاصة الخلفاء الراشدون تحشروا معهم، فعن أنس -رضي الله عنه- أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ «فقال: ماذا أعتدت لها، قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت، يقول: فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر وعمر، وأرجوا  أن أكون معهم لحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل عملهم. اللهم أرض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن جميع أصحاب نبيك -صلى الله عليه وسلم-، اللهم إنا نسألك حبهم وأن نحشر معهم، اللهم إنا نسألك حبهم وأن نحشر معهم يا رب العالمين، اللهم عليك بمن يلعنهم ويسبهم، اللهم اذلهم في الدنيا والعنهم في الأخرة. اللهم لا تؤخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أرض عن المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.