الصدق في التوبة من قصة كعب بن مالك
الصدق في التوبة من قصة كعب بن مالك
  | ,, 2458   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة بعنوان: الصدق في التوبة من قصة كعب بن مالك.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 22 ربيع الأول - عام 1440هـ في مسجد السعيدي.

 
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:- فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، أما بعد:- عباد الله! لقد ضرب لنا صحابة النبي r أروع الأمثلة في الصدق في الاتباع والتوبة والعبادة؛ فهم أكمل الناس قلوبًا، وأشدهم إقبالًا على الله تعالى، ورجوعًا إليه، حصل من بعضهم شيءٌ من التقصير، فقابلوا ذلك بالتوبة النصوح، وهكذا دأب الصالحين وعمل المتقين، فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. عباد الله! هاكم قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا عن غزوة تبوكٍ مع النبي r دونما عذر، وتبدروا ما الذي نجاهم، حتى على شأنهم، وذكرهم الله تعالى في كتابه، وشهد لهم بالتوبة والرجوع إليه، فعن كعبٍ بن مالكٍ في حديثه، كما في الصحيحين وغيرهما، في حديثه عنه وعن صاحبيه، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع –رضي الله عنهم جميعًا-. قال كعبٌ: يُحدث حين تخلف عن قصة تبوكٍ، لما تخلف عن رسول الله r في غزوةٍ غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في بدرٍ، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله r يريد عير قريشِ حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله r ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكر في الناس منها، كان من خبري يقول –رضي الله تعالى عنه- متحدثًا عن غزوة تبوك: كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر، حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، انظر إلى صدقه في الاعتراف، ويقينه أن الله تعالى عالمٌ بأمره وبما يسره! يقول: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله r في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومفازًا وعدوًّا كثيرًا؛ فجلى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله r كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابٌ حافظ، يريد الديوان. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيُخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله r تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهَّز رسول الله r والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادرٌ عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله r والمسلمون معه، ولم أقضِّ من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهَّز، فرجعت ولم أقضِّ شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يُقدَّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله r فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا في النفاق عليه، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله r حتى بلغ تبوك، فقال: وهو جالسٌ في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه، ونظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله r، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله r قد توجه قافلًا وراجعًا من تبوك، حضرني بثي وهمي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إنَّ رسول الله r قد أظلَّ قادمًا زاح عني الباطل، حتى عرفتُ أني لن أنجو منه بشيءٍ أبدًا، فأجمعتُ صدقه، وصّبحَ رسول الله r قادمًا. ثم ذكر أن المتخلفون جاءوه واعتذروا له عن عدمِ خروجهم، ثم قال كعبٌ: فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: «ما خلَّفك»، ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟! –أي: تجهزت للغزو- قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلستُ عند غيركَ من أهلِ الدُنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلًا، ولكني والله، لقد علمتُ لئن حدَّثتكَ اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنَّ الله أن يسخطك عليَّ. وهذا دأبُ المؤمن، ينظر إلى رضا الله سبحانه وتعالى، يقول: ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرُ مني حين تخلفتُ عنك. فقال –عليه الصلاة والسلام-: أما هذا فقد صدق، فقُم حتى يقضي الله فيك، فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله r بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسولِ الله r لك. فوالله ما زالوا يُأنبونَني حتى أردت أن أرجع فأُكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحدٌ؟ قال: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالا: قالوا: مُرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرًا فيهما أُسوةٌ، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله r المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ، وآتي رسول الله r فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدارَ حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلَّمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله! هل تعلمني أحب الله ورسوله؛ فسكت فعدت له فناشدته فسكت، فعدت له فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان؛ فإذا فيه: "أما بعد؛ فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحق بنا نواسك". انظر إلى الفتنة العظيمة، والبلاء الكبير، ومكر الكفار بالمسلمين! وإرادة تمزيقهم وتشتيت كلمتهم، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيمنت بها التنور فسْجرتهُ بها، أي: أحرقها حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله r يأتيني فقال: إن رسول الله r يأمرك أن تعتزل امرأتك زيادةً في العقوبة، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا؛ بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، حتى تكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعبٌ: فجاءت امرأةُ هلال بن أمية، رسول الله r فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخٌ ضائعٌ –أي: ضعيف- ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا؛ ولكن لا يقربكِ» قالت: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان، إلى يومنا هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله r في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول رسول الله r إذا استأذنته فيها! وأنا رجلٌ شابٌ، فلبثت بعد ذلك عشرَ ليال؛ حتى كملت لنا خمسونَ ليلة من حين نُهي عن كلامنا. وهكذا عباد الله كانت عقوبة هؤلاء الثلاثة من الله تعالى، على ذنبهم تطهيرًا لهم واختبارًا وابتلاءً من الله وفتنةً لهم، وهذا حال المؤمن الصادق التائب، لا يرده شيءٌ عن توبتهِ، ورجوعهِ إلى الله، ويرى الذنب عليه كالجبلِ على ظهرهِ. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: عباد الله يقول كعبٌ –رضي الله تعالى عنه-: بعد أن تمت خمسونَ ليلة من هجر الناس له، قال: ثم صليت صلاة الفجر صباحَ خمسينَ ليلة، على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله U منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرضُ بما رحبت، سمعت صوت صارخٍ أوفى على سلعٍ –أي: جبلٍ- يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررتُ ساجدًا لله U، وعرفتُ أن قد جاء فرجٌ، قال: فأذَّن رسول الله r الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب قِبَلي المبشرون، وركض إليَّ رجل بفرسٍ، وسعى ساعٍ من أسلمَ قِبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يُبشرني، نزعتُ له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقتُ إلى رسول الله r يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة، ويقولون: لِتَهْنِك، توبةَ اللهِ عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله r جالس في المسجد وحوله الناس، قام طلحة بن عبيد الله t يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيرُه، قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله r قال: -وهو يبرقُ وجهه من السرور-: «أبشر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتكَ أُمك» قال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله» وكان رسول الله r إذا سرَّ استنار وجهه، كأنَّ وجهه قطعةُ قمر، قال: وكنا نعرف ذلك، قال: فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إنَّ مِن توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله r، فقال رسول الله r: «أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك»، قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: وقلت: يا رسول الله، إنما أنجاني بالصدق، وإنَّ مِن توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، قال: فوالله ما أعلمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله r إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به ، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله r إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت. وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، ثم ذكر نزول الآيات في توبة الله تعالى عليه، التي تُتلى إلى يوم القيامة: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [ 117] وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[ 118] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[التوبة: 117-119]؛ هكذا عباد الله، هو حال أهل الإيمان مع ذنوبهم، ومعرفتهم لمنزلة التوبة من الله تعالى. اللهم اجعلنا من الطائعين التائبين،  اللهم اجعلنا من الطائعين التائبين، اللهم اجعلنا من الطائعين التائبين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.