منهيات لفظية، يجب الحذر منها
منهيات لفظية، يجب الحذر منها
  | 1417   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة بعنوان: منهيات لفظية، يجب الحذر منها.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 15 شوال - عام 1439هـ في مسجد السعيدي بالجهراء بدولة الكويت، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

 

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،

أَمَّا بَعْدُ:

 فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ:

 إِنَّ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا بِلِسَانِهِ شَأْنُهَا عَظِيمٌ،  وَخَطَرُهَا جَسِيمٌ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ تَرْزُقُهُ السَّعَادَةَ،  وَرُبَّ كَلِمَةٍ تُورِدُهُ المَهَالِكَ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].

لِذَلِكَ كَانَ لِلِّسَانِ أَثَـرٌ عَلَى جَمِيعِ الأَعْضَاءِ، فَإِمَّا أَنْ يُهْلِكَهَا أَوْ يُنْجِيَهَا؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ [أَيْ: تَخْضَعُ لَهُ]، فَـتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» [رَوَاهُ التِّـرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ].

وَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ، فَلْيَكُفَّ عَلَيْهِ لِسَانَهُ، إِلَّا مِنْ خَيْرٍ يُعْلِي شَأْنَهُ؛ فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلَامِ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟، قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ].

عِبَادَ اللهِ:

لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ وَهَذَا الوَعِيدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى،  وَأَنْ يُدَقِّقَ وَيُعِيدَ النَّظَرَ فِيمَا يَقُولُهُ وَيَتَلَفَّظُ بِهِ؛ فَإِنَّ العَبْدَ أَحْيَانًا يَقُولُ كَلِمَةً لَا يَحْسُبُ لَهَا حِسَابًا،  تَكُونُ عِنْدَ اللهِ جُرْمًا عَظِيمًا، وَإِثْمًا كَبِيرًا؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

وَهُنَاكَ عَدَدٌ مِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي دَرَجَتْ عَلَى أَلْسُنِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الشِّرْكِ أَوِ المَعْصِيَةِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ! فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِأَلْفَاظِهِ، وَيَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَلْيَكُنْ شِعَارُهُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ].

عِبَادَ اللهِ:

وَمِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ: أَنْ يَقُولَ المُسْلِمُ: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) أَوْ (لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ) أَوْ (مَا لِي إِلَّا اللهُ وَأَنْتَ) أَوْ نَحْوَهَا،  فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَجُوزُ، وَشِرْكٌ فِي الأَلْفَاظِ؛ لِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ،  فَعَنْ قَتِيلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

كَمَا أَنَّ عَلَى المُسْلِمِ اجْتِنَابَ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالحَلِفِ بِالآبَاءِ أَوِ الأَبْنَاءِ، أَوْ بِحَيَاةِ فُلَانٍ، أَوْ بِالْعِرْضِ وَالشَّرَفِ وَالأَمَانَةِ أَوْ بَأَيِّ مَخْلُوقٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَلَوْ كَانَ مَلَكًا مُقَرَّبًا أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا؛ فَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا وَالكَعْبَةِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهِ، فإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

وَمِنَ الأَلْفَاظِ المُحَرَّمَةِ: سَبُّ الدَّهْرِ أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ الرِّيحِ أَوِ الأَمْرَاضِ كَالْحُمَّى وَغَيْرِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ هُوَ مُصَرِّفُ هَذِهِ الأُمُورِ، وَمَا يَجْرِي فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَعَلَى العَبْدِ أَنْ يُقَابِلَ قَضَاءَ اللهِ وَقَدَرَهُ بِالصَّبْرِ وَالرِّضَا،  فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَعَنْهُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَقَالَ: «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. أَيْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُتَصَرِّفُ بِالدَّهْرِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ].

عِبَادَ اللهِ:

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَسْتَخْدِمُ فِي كَلَامِهِ لَفْظَ (لَوْ) كَأَنْ يَقُولَ: (لَوْ أَخَذْتُ طَرِيقَ كَذَا مَا حَصَلَ الحَادِثُ الفُلَانِيُّ) عَلَى وَجْهِ التَّحَسُّرِ عَلَى مَا مَضَى؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ،  وَهِيَ لَا تُفِيدُ شَيْئًا،  وَإِنَّمَا تَفْتَحُ بَابَ الأَحْزَانِ وَالْوَسَاوِسِ وَالنَّدَمِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَمِنَ الأَلْفَاظِ الخَاطِئَةِ الَّتِي يَغْفُلُ عَنْهَا بَعْضُ النَّاسِ: قَوْلُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ لِمُصَابِ أَحَدٍ أَوْ وُقُوعِ حَادِثٍ أَوْ مَرَضٍ: (فُلَانٌ مَا يَسْتَاهِلُ)، وَهَذَا فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَسُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. وَمِمَّا فِيهِ سُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا هُوَ مُنْتَشِرٌ عَلَى الأَلْسُنِ: اخْتِصَارُ بَعْضِ النَّاسِ كَلِمَةَ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) بِقَوْلِهِ: (لَا حَوْلَ لِلَّهِ) وَهَذَا فِيهِ نَفْيُ القُوَّةِ وَالْحَوْلِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَيُخْطِئُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الشَّهَادَةِ لِمُعَيَّنٍ بِأَنَّهُ شَهِيدٌ حَتَّى لَوْ قُتِلَ مَظْلُومًا أَوْ وَهُوَ يُدَافِعُ عَنِ الحَقِّ،  فَلَا تَقُلْ: اسْتُشْهِدَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ الشَّهِيدُ،  إِنَّمَا الصَّوَابُ أَنْ تَقُولَ: نَرْجُو لَهُ الشَّهَادَةَ،  وَنَحْسَبُهُ شَهِيدًا؛ قَالَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (بَابٌ لَا يَقُولُ: فُلَانٌ شَهِيدٌ،  قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيـلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ»)، لِأَنَّ مَدَارَ الشَّهَادَةِ عَلَى القَلْبِ وَإِخْلَاصِهِ فِي ذَلِكَ،  وَهَذَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ،  وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا بِعَيْنِهِ: كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

عِبَادَ اللهِ:

كَثِيرٌ مِنَ الكُتَّابِ حِينَ يَذْكُرُ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتَهُ، يَقُولُ: (شَاءَتِ الأَقْدَارُ) أَوْ (شَاءَتِ الظُّرُوفُ)، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ وَالأَقْدَارَ وَالظُّرُوفَ لَا مَشِيئَةَ لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَتَقُولُ: شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَرَادَ سُبْحَانَهُ.

وَمِنَ المَنْهِيَّاتِ حَالَ دُعَاءِ العَبْدِ وَهُوَ مِمَّا ابْتُـلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: قَوْلُهُمْ حَالَ الدُّعَاءِ: (غَفَرَ اللهُ لَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ)،  أَوْ يَدْعُو بَأَيِّ نَوْعٍ مِنَ الدُّعَاءِ ثُمَّ يُرْدِفُهُ بِقَوْلِهِ: (إِنْ شَاءَ اللهُ)،  فَطَلَبُ الحَاجَةِ مِنَ اللهِ لَا يُعَلَّقُ عَلَى المَشِيئَةِ؛ وَإِنَّمَا يُجْزَمُ بِهِ،  فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ عَلَى الْفِعْلِ،  وَإِنَّمَا هُوَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، قَالَ تَعَالَى: )إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ([هود:107]،  وَتَعْلِيقُ الدُّعَاءِ عَلَى المَشِيئَةِ يَدُلُّ عَلَى فُتُورٍ فِي الطَّلَبِ وَقِلَّةِ رَغْبَةٍ فِيهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمَ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

فَعَلَى المُسْلِمِ عِبَادَ اللهِ، أَنْ يَمْلِكَ وَيُمْسِكَ عَلَيْهِ لِسَانَهُ،  وَأَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّلَلِ وَالخَطَلِ؛ فَإِنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ،  )مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ([ق:18]،  وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

  • الخطبة الثانية:

الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.

عِبَادَ اللهِ:

كَمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ عَنْ شَخْصٍ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لَهُ،  أَوْ وَاللهِ لَا يُدْخِلُهُ اللهُ الجَنَّةَ؛ فَإِنَّهَا مِنَ المُهْلِكَاتِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ. فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟! وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ:

 إِنَّ الأَقْوَالَ الخَاطِئَةَ وَالْمَنَاهِيَ اللَّفْظِيَّةَ وَالَّتِي قَدْ تَصِلُ إِلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ، بَلْ تَتَجَدَّدُ وَتَتَعَدَّدُ كُلَّمَا ازْدَادَ النَّاسُ جَهْلًا وَابْتِعَادًا عَنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُجَانَبَةً لِأَهْلِ العِلْمِ وَالحِرْصَ عَلَى سُؤَالِهِمْ.

فَعَلَى العَبْدِ أَنْ يَتَعَلَّمَ دِينَهُ لِيَلْقَى رَبَّهُ طَاهِرًا مِنَ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ وَالذُّنُوبِ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ مُحَاسَبٌ عَلَى اعْتِقَادَاتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، )وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا( [الإسراء:36]، وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ أَشَدَّ النَّاسِ عِلْمًا بِخَطَرِ اللِّسَانِ؛ لِذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ سِجْنٍ مِنَ اللِّسَانِ)،  وَعَنِ الأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ بِرِسَالَةٍ لَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرِي وَغَيْرُ مَكْحُولٍ: (أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ المَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ،  وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ)،  فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِكَ مَنْفَعَةٌ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا فَالْزَمِ الصَّمْتَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ سَلَامَةٌ،  وَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا ولوالدينا الأحياء منهم والأموات.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.