إياكم والتهاون في الصلاة
إياكم والتهاون في الصلاة
  | 3900   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة بعنوان : إياكم والتهاون في الصلاة.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في يوم 14 جمادى الثاني - عام 1439هـ في مسجد السعيدي بالجهراء ونقلت عبر إذاعة موقع ميراث الأنبياء الرئيسية.

 
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد... فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أما بعد... عباد الله، اتقوا الله تعالى فإن تقوى الله تعالى نِعم الزاد. يقول المولى -عزَّ وجلّ- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]. عباد الله، لقد أنعم الله -عزَّ وجلّ- علينا بنعمٍ كثيرة، ومنّ علينا بمننٍ عديدة؛ ومن أعظم هذه النعم والمِـنن نعمة الإسلام والسنة التي هدانا إليها دون جُهد أو تعبٍ أو بذل مالٍ أو عرض. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[الحجرات:17]، ثم اعلموا رحمكم الله أن من أظهر معالم الدين، وأجلى شعائر الملة؛ الإتيان بأركان الإسلام بدءً بالشهادتين اللتين لا يدخل المرء الإسلام إلا بهما، ولا يُكتب من أهله إلا بتحقيقهما، ثم المحافظة على أعظم ركن بعد الشهادتين، وأجلّ مفروضٍ بعدهما؛ ألا وهو ركن الصلاة... الصلاة التي من ضيعها فهو لما سواها أضيع، ومن حافظ عليها فحريٌ أن يحفظ دينه ويتمسك بشريعته. قال -صلى الله عليه وسلم-: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة.» فالصلاة سر النجاح، وأصل الفلاح، وهو أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة، والصلاة نورٌ ونجاةٌ يوم القيامة؛ من لم يُحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاة. هي علامة الإحسان والإيمان، والتهاون فيها علامة النفاق والذل والخسران، يقول -عزَّ وجلّ-: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾[مريم:59] عن عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «خمس صلواتٍ كتبهن الله على العباد؛ فمن جاء بهن لم يُضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهم؛ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهدٌ، إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنة.» ولأهمية الصلاة عباد الله وعِظَم شأنها كانت الوصية بها من آخر وصاياه -صلوات الله وسلامه عليه-، حيث قال: «الصلاة الصلاة اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة.» لعِظَم شأن الصلاة فإنها لا تسقط عن العبد ما دام عقله ثابتًا وشُعوره باقيًا،قال عمران بن حصينٍ –رضي الله تعالى عنه-: « كانت بي بواسير، فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة فقال صلِّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ»عباد الله إن الصلاة أعظم ما تحط به السيئات، وتُكفر به الخطيئات. قال -صلى الله عليه وسلم-: «تحترقون تحترقون –أي تقعون في الهلاك بسبب كثرة الذنوب- فإذا صليتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون.. فلا يُكتب عليكم حتى تستيقظون.»والصلاة عباد الله؛سببٌ للامتناع عن الذنوب العظام، وتنهى النفس عن الفواحش والآثام. قال المولى -عزَّ وجلّ-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾[العنكبوت:45] أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.....
  • الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد...فاتقوا الله حق تقاته، وعظِموا بذلك حُرماته، ووقِروا من أمر الله بتوقيره في كتابه وآياته. عباد الله، لقد شاهدنا وللأسف الشديد من بعض المسلمين تساهلًا كبيرًا في  إقامة الصلاة، إما بترك الصلاة تركًا كليًا أو جزئيًا، أو التساهل في الاتيان بها وبأركانها وواجبتاها، أو في الخشوع فيها، أو في عدم الطمأنينة في أدائها، أو بالتهاون في إقامتها جماعةً حيث يُنادى بها في المساجد. وكل هذا من صور التهاون والتساهل في شأن الصلاة يقول الله -عزَّ وجلّ-: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾[الماعون:4-5]. وعن عبادة بن الصامت –رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خمس صلواتٍ كتبهن الله على العباد؛ من جاء بهن لم يُضيع بهن شيئًا استخفافًا بحقهم كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة.» وقال -صلى الله عليه وسلم- «من ترك صلاة العصر؛ فقد حبط عمله.»،فإذا كان هذا في ترك صلاة واحدة فكيف بمن ترك الصلاة كليًا.  يقول عمر –رضي الله تعالى عنه- «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة!». عباد الله، إن من المحزن حقًا أن تجد بعض الناس يهتمون لأمور دنياهم، ويجتهدون في إصلاح معايشهم؛ لكنهم لا يأبهون بإصلاح صلاتهم، ولا يكترثون بالإتيان بها في وقتها؛ يحرص الواحد منهم على ضبط المنبه على وقت الدراسة والعمل!، ولا يُكلف نفسه ببذل أدنى الأسباب للاستيقاظ للصلاة!. وفي هؤلاء يصدق قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمه. ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له». عباد الله: لقد حصل التساهل في الصلاوات جماعة حيث يُنادى بها؛ حتى عند بعض من ينتسبون إلى الالتزام والاستقامة، ضعفٌ عند كثيرٍ منهم، ضعفٌ في التدين والالتزام؛ فاسأل نفسك أين كنت فيما مضى؟ وأين أنت الآن؟ هل ما كنت تنكره سابقًا أنت واقعٌ فيه؟ ضعفٌ في التدين وتساهل في المحرمات، وتساهلٌ في ترك الطاعات ونقصٌ في اللحية وإطالةٍ للإزار... لا علم ولا قرآن، ولا اجتهاد ولا بذلٍ للأوقات. تذهب الأزمان في الجلسات والقيل والقال، وتذهب الأعمار وتمضي ويُنسى العلم وينتهي حتى يُصبح لا فرق بينه وبين غيره من الناس، بل كثير من العوامّ خيرٌ منه في المحافظة على الطاعات والصلوات والصدقات. وأنت يا من طال عمرك.. وأنت يا من طال عمرك اجتهد على أن يحسُن عملك... يبلغون الستين وأكثر ولا يعرف المسجد إلا في الجمعة. ماذا تنتظر وقد أمهلك الله وأعطاك الفرصة؟ راجع نفسك واحرص على عملك وعلى عملٍ صالحٍ تختم به حياتك. عباد الله ما أحسن ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود –رضي الله تعالى عنه-:«من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم -صلى الله عليه وسلم- سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم؛ ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهر فيُحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق؛ ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف.» اللهم إنا نسألك الثبات على الدين، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مُصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم إنا نسألك الثبات وحسن الختام، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات... الأحياء منهم والأموات. وصلى الله وبارك على نبينا محمد.