وفاة النبي صلى الله عليه وسلم دروس وعبر
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم دروس وعبر
  | , 5474   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم دروس وعبر
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 27 صفر عام 1436هـ، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء

 
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد،،، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد،، عباد الله إن الموت طريقٌ معهودٌ مسلوك لابد لكل حيٍ منه، وبابٌ كل الناس داخلوه حيث كتب الله –عز وجل- على كل أحد كما قال –سبحانه وتعالى-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[آل عمران:185]، ولم يستثني الله –عز وجل- من هذا الحكم أحدًا من الخلق لا الأنبياء، ولا غيرهم فلم يجعل الله الخلد لأحدٍ كما قال –عز وجل-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾[الأنبياء:34] فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء، والمرسلين، والأولياء، والمتقين فما لنا عن ذكره مشغلون، وعن الاستعداد له متخلفون ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾[ص:67]، ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾[ص:68]، الخلق كله متساون في هذا الحكم لا فرق بينهم مهما حاول الإنسان البعد عن الموت، فمن يستطيع دفعه يقول -عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الجمعة:8]، وأعظم المصائب التي أصيب بها الإسلام والمسلمون هو موت نبينا -صلى الله عليه وسلم- هي تلك المصيبة العظمى، والداهية الكبرى يقول -عليه الصلاة والسلام-: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب». وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبةٍ يُصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، فيها انقطع الوحي، وخُتمت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك.

 اصبرْ لكلِّ مصيبةٍ وتجلدِ***واعلم بأن المرءَ غيرُ مخلَّدِ.

وإذا ذكرت محمداً ومُصابَه***فجعل مُصابَك بالنبيِّ محمدِ.

أي مصيبةٍ أعظم من مصيبة من انقطع بموته وحي السماء. عن أنسٍ قال؛ ق قال أبو بكرٍ بعد وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها قال: فلما انتهينا إليها بكت فقال لها: ما يبكيك؟ فما عند الله خيرٌ لرسوله قالت: إني لا أعلم إنما عند الله خيرٌ لرسوله، ولكن أبكي؛ لأن الوحي قد انقطع من السماء قال: فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها، ومعرفة وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وما جرى في ذلك لا ينبغي جهله؛ لأن في ذلك تصبيرًا لأهل المصائب، وزيادة معرفةٍ بنبينا -عليه الصلاة والسلام-، وبسيرته، وأنه كالبشر لا تجوز صرف العبادة إليه، ولا إلى غيره بل لا تصرف العبادة إلا للحي القيوم الذي لا يموت. كانت وفاته -صلى الله عليه وسلم- في يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيعٍ الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة بإجماع أهل العلم استهلت هذه السنة، واستقر الركاب الشريف النبوي بالمدينة النبوية المطهرة مرجعه من حجة الوداع، وقد وقعت في هذه السنة أمورٌ عظام من أعظمها خطب وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- نقله الله -عز وجل- من هذه الدار الفانية إلى النعيم الأبدي في محلةٍ عاليةٍ رفيعة، ودرجةٍ في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى كما قال سبحانه: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾[الضحى:4]، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾[الضحى:5]، وذلك بعدما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بإبلاغها، ونصح أمته، ودلهم على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم، ونهاهم عن ما فيه مضرةٌ عليهم في دنياهم، وأخراهم، عقد الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه بابًا في الوفاة النبوية، وما جرى في ذلك أورد فيه جملةً من الأحاديث الواردة في هذا الباب، والتي تصف وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنَّها تُرى رأي العين بدأ -رحمه الله- بذكر آخرِ سورةٍ قرأها النبي-صلى الله عليه وسلم- قالت أمُّ الفضلِ بنتُ الحارثِ -رضي الله عنها- سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأُ في المغربِ بالمرسلات عُرفا ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. ثم أورد ما جاء عن عمر وابن عباسٍ -رضي الله عنهم- في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾[النصر:1]. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أجلُ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أعلمه إياه". فقال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تعلمَ ". ثم ذكر البخاري -رحمه الله- سمَّ اليهود للنبي   -صلى الله عليه وسلم- في خيبرَ وأثرَ ذلك في وفاته، فأورد ما جاء عن عائشة -رضي الله عنها- كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في مرضه الذي مات فيه : «يا عائشة ما أزال أجدُ ألمَ الطعام الذي أكلته في خيبر فهذا أوانُ انقطاع أبهُري من ذلك السُّمِّ ». فجمع الله له بين النبوة والشهادة ثم أورد ما جاء عن ابن عباسٍ-رضي الله عنهما- في وقت بداية شدة وجع النبي-عليه الصلاة والسلام-، وأن ذلك كان يوم الخميسِ قال ابن عباس: "يومُ الخميس وما يومُ الخميس؟ اشتدَّ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعُه، وكان من شدة وجعه ومرضه لا يخرج إلى الصلاة. فعن أنسٍ-رضي الله عنه- أن المسلمين بيناهم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكرٍ يُصلي لهم لم يفجأهم إلا ورسول الله-صلى الله عليه وسلم- قد كشف سِتر حُجرة عائشةَ فنظر إليهم وهم صُفوفٌ ثم تبسَّم يضحكُ فنكص أبو بكرٍ على عقيبه ليصلَ الصَّفَّ وظنَّ أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يريد أن يخرج إلى الصلاة فقال أنسٌ: "وهمَّ المسلمون أن يُفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتَكم ثم دخل الحُجرةَ وأرخى السِترَ". ثم ذكر البخاري -رحمه الله- ما جاء عن عائشةَ -رضي الله عنها- في بيان اللحظات الأخيرة في حياته -عليه الصلاة والسلام-، وشدةِ نزول الموت به، وعظم سكراته قالت   -رضي الله عنها-: "إن من نعمِ الله عليَّ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تُوفِيَ في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، ودخل عليَّ عبد الرحمن أخوها وبيده السواك، وأنا مسندةٌ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فرأيته ينظرُ إليه وعرفت أنه يحبُّ السِّواكَ فقلتُ: آخذه لك؟ فأشارَ برأسه أن نعمْ فتناولته فاشتدَّ عليه وقلت: ألينُه لك؟ فأشارَ برأسه أن نعم فلينته فأمرَّه وبين يديه رِكوةٌ أو عُلبةٌ فيها ماءٌ فجعل يُدخِلُ يديه إلى الماء فيمسح بهما وجهَه، ويقول: لا إلهَ إلا اللهُ إن للموتِ لسكراتٍ ثم نصب يدَه فجعل يقولُ: في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى؛ حتى قُبضَ ومالتْ يدُه   -عليه الصلاة والسلام-، وفي هذا فضيلة لعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، وفيها حِرصه -عليه الصلاة والسلام- على السُننِ كالسِّواكِ حتى وهو في آخر حياته. تقول عائشة -رضي الله عنها-: كنت أسمع أنه لا يموت نبيٌّ حتى يُخيرَ بين الدنيا والآخرة، فسمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في مرضه الذي مات فيه وأخذته بُحةٌ يقول: "مع الذين أنعم اللهُ عليهم " فظننتُ أنه خُيرَ وفي روايةٍ كان يقول: "اللهمَّ اغفرْ لي وارحمني وألحقني بالرفيقِ الأعلى". عن أنسٍ قال: " لما ثَقُلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل يتغشَّاه -أي الموت- فقالت فاطمة -رضي الله عنها-: " وا كربَ أبتاه فقال لها: ليس على أبيكِ كربٌ بعدَ اليوم فلما ماتَ قالت: يا أبتاه أجاب ربَّاً دعاه يا أبتاه جنةُ الفردوس مأوه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه". ولما علم أبو بكرٍ -رضي الله عنه- بوفاته-عليه الصلاة والسلام- أقبل على فرسٍ من مسكنه؛ حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلِّمِ النَّاسَ؛ حتى دخل على عائشة فقصد رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مُغشى بثوبٍ حبرة فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه فقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي والله لا يجمعُ الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها ثم إن أبا بكرٍ خرج وعمرُ بن الخطاب يُكلِّمُ النَّاسَ فقال: اجلسْ يا عمر فأبى عمر أن يجلس فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان يعبد محمدًا فإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت يقول تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾[آل عمران:144] قال ابن عباس: "والله لكأنَّ الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم فما أسمعُ بشرًا من الناس إلا ويتلوها" وقال عمر: " والله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكرٍ تلاها فعقرتُ حتى ما تُقِلُّني رجلاي وحتى أهويتُ إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قد مات ". وبعد أن مات النبي -عليه الصلاة والسلام- غسله أصحابُه -رضي الله عنهم-، ولم يجردوه من ثيابه ثم كفنوه في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحوليةٍ من اليمن تقول عائشة -رضي الله عنها- كُفِّنَ النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحوليةٍ ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ ثم صلوا عليه فُرادى لا يؤموهم أحدٌ بإجماع أهل العلم، وهذا خاص برسول الله   -صلى الله عليه وسلم- ثم دفنوه يومَ الثلاثاءِ في بيته تحت موضع سريره وألحدوا له في قبره، ونصبوا اللَّبِنَ عليه نصبًا. عن عبد الرحمن بن عوفٍ-رضي الله عنه- قال: تُوفِيَ رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- يومَ الاثنين، ودُفِنَ يومَ الثلاثاءِ فلما دُفِنَ قالت فاطمة-رضي الله عنها: يا أنس : " أطابت أنفسُكم أن تحثوا على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- التراب "وبعد دفن النبي-صلى الله عليه وسلم- اشتدَّ على أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الحُزنُ، وأنكروا الدنيا كلَّها يقول أنس: " لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي-صلى الله عليه وسلم- المدينةَ أضاء كُلَّ شيءٍ فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كُلَّ شيء وما نفضنا أيديَنا من التراب، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبَنا". وكان من آخر وصاياه-عليه الصلاة والسلام- عند موته ما جاء عن عائشةَ وعبد الله بن عباسٍ-رضي الله عنهم- قالا: " لما نزلا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أو لما نزل برسول الله-صلى الله عليه وسلم-طفقا يطرح خميصةً له على وجهه فإذا إغتمَّ كشفها عن وجهه وهو كذلك يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ يحذر ما صنعوا، وعن عليٍ قال: " كان آخر كلام النبي-صلى الله عليه وسلم-الصلاة الصلاة اتقوا في ما ملكت أيمانكم".   اللهم صلي وسلم على نبينا محمد، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد،، عباد الله، إن للنبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته حقوقًا عظيمة؛ لأنه هو الذي دل على كل خير، ونهاهم عن كل شرٍ، وهو الذي أُرسل لإنقاذهم، وإخراجهم من الظلمات على النور، وإلى السعادة والحياة الأبدية، وكان في أمره ونهيه شفيقًا رحيمًا يخاف على أمته أن تسلك مسالك الذين من قبلهم في التمرد، والعصيان، والخروج عن طاعة الله ففي كل وقتٍ تجده حريصًا كل الحرص على الإرشاد، وتعليم الأمة ما ينفعها في دينها ودنياها؛ حتى في وقت احتضاره وفي سكرات موته بأبي هو وأمي فما من خيرٍ غلا دل الأمة عليه، وما من شرٍ غلا حذر هذه الأمة منه، جمع الله له كمال الأخلاق، ومحاسن الشيم، وما فيه النجاة والفوز، واختاره على جميع البشر؛ فضلًا منه ورحمة فهو سيد ولد آدم يقول الله -عز وجل- في صفته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[التوبة:128]، وقال -عز وجل-:﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[القلم:4] لهذا وجب على كل مسلمٍ أن يحبه، وأن يُقدم في المحبة على كل أحدٍ حتى على الولد والوالد والناس أجمعين؛ لأن من كانت هذه منزلته، وفضله لاشك أن حقه يعظم على حق غيره فتقدم محبته على محبة غيره حتى على محبة النفس عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‹‹فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من وولده ووالديه والناسِ أجمعين››. قال عمر -رضي الله عنه- للنبي -عليه الصلاة والسلام-: يا رسول الله، أنت أحب إليّ من كل شيءٍ إلا من نفسي فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ‹‹لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك›› قال عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي    -صلى الله عليه وسلم-: ‹‹الآن يا عمر››، ومن حقوق نبينا -عليه الصلاة والسلام- طاعته، والنصرة له، وعدم الرضا بالطعن عليه، وتوقيره، ومحبته محبةً مقدمةً على كل سيء، وإثار طاعته، ومتابعة سنته، وتحكيم شريعته، والبراءة ممن يطعن عليه أو على آله أو أزواجه أو أصحابه. يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[آل عمران:31]، ويقول المولى –سبحانه وتعالى-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء:65]. يقول أبو عثمان النيسابوري –رحمه الله- من أمرّ السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطاق الحكمة، ومن أمرّ الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، اللهم صلي وسلم على نبينا محمد، اللهم صلي وسلم على نبينا محمد، اللهم ارضَ على الصحابة أجمعين، وعن أمهات المؤمنين يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار وصلى الله وسلم على نبينا محمد.