مشاهد من يوم القيامة
مشاهد من يوم القيامة
  | , 1135   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: مشاهد من يوم القيامة
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 1 ربيع الأول 1435هـ
   
 

الخطبة الأولي:

إن الحمد لله نحمده ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالة في النار أما بعد..

عباد الله إنَّ ما يجبُ الإيمانُ به، مما يدخل في الإيمان باليوم الأخرِ بعد أشراط الساعة، الإيمانُ بالبعث والنُشور، وما يحصل في يوم القيامة إلى أن يدخل أهلُ الجنَّة الجنَّة –جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة- وإلى أنَّ يدخلَ أهلُ النَّار النَّار –أعاذنا الله وإياكم منها-، اعلموا عبادَ الله أنَّ وقوعَ البعثِ من القبور؛ قدَّ دلَّ عليه كتابُ الله، ودلت عليهِ سنةَ النبي -صلى الله عليه سلم- ودلَّ عليه العقلُ والفطرة السليمة، وردَّ الله -عزَّ وجلَّ- على مُنكريه، وأخبرت به جميع الأنبياء أممها، قال الله -سبحانه وتعالى- ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾[الزمر:68]، وهي نفخة البعث، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾[الزمر:68]، فيجمعُ الله -عزَّ وجل- الأولين والأخرين لميقاتِ يومِ معلوم، ويُحشرونَ في أرض المحشر للحساب، فاتقوا ربكم واعلموا أنه ما خلقكم عبثا ولن يترككم سدى، وإنما خلقكم لتعبدوه وحده لا شريك له ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:2]، في ذلك اليوم تندكُ الأرض، وتسيرُ الجبال وتتساقط النجوم، وتتفجر البحار، وتنشق السماء، في ذلك اليوم تشدد الأمور، وتعظُم الأهوال، في ذلك اليوم ينزل للقضاء بين عباده؛ الحكم العدل المُتعال، في ذلك اليوم تُحشرون حافيةٌ أقدامكم، عاريةٌ أجسامكم، شاخصةٌ أبصاركم، واجفةٌ قلوبكم، يعرق الناس عرقًا شديدا، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه ومنهم من يصل العرق إلى حقويه أي (خصريه)، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، أمَّا المؤمنون فهم في ظلِ عرش الرحمن، في ظلِ صدقاتهم، في ذلك اليوم يفرُ المرءُ من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾[عبس:37]، في ذلك اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة، لكنَّه يكون على المؤمن أخفَّ من الصلاةِ المكتوبة، في ذلك اليوم الذي يقبض الله الأرض بيده، ويطوي السماءُ بيمينه ثم يقولُ أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ إنه ليومٍ عظيم عباد الله؛ فيجب أن نستعد له بالعمل الصالح، في ذلك اليوم يُحاسبِ الله الخلائق على أعمالهم فأول ما يُحاسبُ عليه العبد صلاته، فإن كانت صالحة؛ أفلح ونجح، وإن كانت فاسدة؛ خاب وخسر، في ذلك اليوم يشهد على العباد أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:65]؛ يقضي الله -عزَّ وجل-  بين الخلائق فترد المظالم إلى أهلها من حسنات الظالم فإن لم يبقى شيءٍ منها أُخِذ من سيئات المظلوم، فطُرحت عليه ثم طُرح في النار، في ذلك اليوم يُنصب الميزان ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾[المؤمنون:104-102]، في ذلك اليوم تُنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[الكهف:49]؛ فيأخذ المؤمنين كتابهم بأيمانهم مستبشرين مغتبطين، ويأخذ الكافرون كتابهم بشمالهم، أو خلف ظهورهم حزينين، خاسرين، ويُوضع الصراط على متن جهنم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾[مريم:71]؛ فيمر النَّاس عليها على قدرِ أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطير وكأشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم -صلى الله عليه وسلم- قائمٌ على الصراط يقولُ يا ربِ سلم سلم، حتى تعجز أعمالُ العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع المشي إلا زحفا وفي حافتي الصراط كلاليبٌ معلقة مأمورةٌ تأخذِ من أُمرت بأخذه، فمخدوشٍ ناجٍ، ومكدوسٌ على وجهه في نارِ جهنم، وفي هذا اليوم الحوض المورود للنبي -صلى الله عليه وسلم- طولهُ شهرٌ، وعرضهُ شهرٌ، عليه ميزادان أحدهما ذهبٌ والأخر فضة، يصبانِ فيه من الكوثر وهو النهر الذي أُعطيه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنَّة، وماءه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيبُ من المسك، وأبرد من المسك آنيته كنجومِ السماءِ في كثرتها وحُسنها، من شربَ منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا؛ فيردُ عليه المؤمنون من أمتهِ -صلى الله عليه وسلم- غرًا محجلينَ من آثارِ الوضوء، ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قائمٌ عليه ينظر من يردُ عليه من أُمته، فيقتطعُ أناسٌ دونه فيقولُ يا ربِ، يا ربِ أمتي، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم، في ذلك اليومِ عباد الله تكونُ الشفاعة العظمى لنبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي يمدحهُ عليها الأولون والأخرون روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: «أُوتيَّ رسول الله بلحمٍ فرُفِعَ إِليهِ الذِرَاع، وكَانت تُعجِبَهُ فَنَهَشَ منها نهشَةً، فيقولُ: أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِ، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لا يطيقون وما لا يحتملون. فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ -عليه السلام-، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا ، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِى نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ! أَنْتَ نبيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّى قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى. فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِى نَفْسِي نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى. فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم– فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّى عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِى يَا رَبِّ، أُمَّتِى يَا رَبِّ. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى «..

عباد الله إنَّ يوم القيامة أهوالهُ شديدة، وهو يومٌ عصيب، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:33]، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الأياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ ما تسمعون وأستغفرُ الله العظيم لي ولكم من كلِ ذنبٍ فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ لله والصلاة والسلامُ على رسولِ الله وعلى آله وصحبه ومن القواعد أيضًا اتبع هداهُ أمَّا بعد.. عباد الله مع أنَّ الله –تعالى- يغضب في هذا اليوم غضبًا شديدًا، لكنَّ الله –تعالى- أيضًا غفورٌ رحيمٌ بعبادهِ يُحبُ أولياؤه ويرحمهم، فاسمع معي إلى آخر أهلِ الجنة دخولًا الجنة وكيف هي منزلته وما الذي أعطاه الله فيها، روى مسلم عن ابن مسعود -رضى الله عنه- قال: « آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ، قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ"، وفي رواية ويذكره الله سلَ كذا وسلَ كذا فإذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرة أمثاله، ثمَّ يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحورِ العين، فتقولان الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، فيقولُ ما أُعطيَ أحدًا مثلما أُعطيت»، فهذا عباد الله آخر أهل الجنة وأدناهم منزلا، فكيف بأهل الفردوس الأعلى؟ كيف بمنازل الأنبياء والأصفياء، والأولياء، عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «من آمن باللَّه، وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على اللَّه تعالى أن يدخله الجنة, جاهد في سبيل اللَّه أو جلس في أرضه التي وُلِدَ فيها، فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نبشِّرُ الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة, وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجر أنهار الجنة«.، رواه البخاري، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى، اللهم إنَّا نسألك ولوالدينا الفردوس الأعلى، اللهم إنَّا نسألك ولوالدينا الفردوس الأعلى، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القومِ الكافرين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.