قصة أصحاب الكهف
قصة أصحاب الكهف
  | , 2631   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: قصة أصحاب الكهف
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 20 ذي الحجة 1434هـ

خطبة بعنوان " قصة أصحاب الكهف "

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: عباد الله، إن أحسن القصص هي قصص القرآن الكريم؛ لما فيه من العظات والعبر التي تنفع من تدبرها وتأملها عقيدةً وعبادةً وسلوكًا، والله –عز وجل- ما ذكر القصص في القرآن تسليةً وإضاعةً للأوقات، وإنما أنزلها لأخذ العبرة منها؛ قال –تعالى-: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾[يوسف:111]. ومن قصص القرآن قصة أصحاب الكهف التي ذكرها الله في سورة الكهف، وهي السورة التي رَغَّب النبي –صلى الله عليه وسلم- في قراءتها وحفظ بعض آياتها، ففي صحيح مسلم عن أبي الدرداء –رضي الله عنه-، عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عُصِم من الدجال». وعن أبي سعيد الخدري –رضي الله تعالى عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق». وملخص قصة أصحاب الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم، ووحدوه في العبادة، وكان قومهم مشركين، فاعتزلوهم إلى كهف، فضرب الله عليهم النوم، فناموا ثلاثمائة سنة وتسعة سنوات، ثم بعثهم الله من نومهم، فحفظ الله لهم دينهم، ووقاهم الفتن، وعصمهم منها، ونالهم شيء كبير من العز والشرف بعد أن تبدلت أحوال الناس جزاء صبرهم وثباتهم وإيمانهم. ويستفاد من قصتهم فوائد كثيرة، منها: أولًا: أن قصتهم مع عجيب شأنها، فإنها ليست بأعجب آيات الله، بل أعجب منها خلق الأرض، وما خلق فيها من أنواع الزينة ومن كل شيء، ثم يفني ذلك بقدرة الله، ثم يبعث الله الخلائق ليجازيهم على أعمالهم، فليتفكر المسلم في خلق السماوات والأرض، وليتذكر أنه خلق لعبادة الله وحده، وليتذكر معاده، وليستعد له بأحسن العمل، قال –عز وجل-: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8﴾ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾[الكهف:7-9]، أي وإن كانت قصتهم عجيبة، إلا أن ما تقدم ذكره أعجب وأعظم. ثانيًا: أن هؤلاء الفتية نشأوا في بيئة كافرة مشركة، تعبد من دون الله آلهة أخرى، ولكن الله –عز وجل- أدركهم بلطفه ورحمته، فهداهم إلى الإيمان والتوحيد، فآمنوا بالله وحده، وعلى العاقل أن يكون رائده الحق، لا التعصب لما عليه الآباء والأسلاف، فحيث تبين له الحق فليلتزم به، ولا يمنعنه من قبول الحق هوىً أو حظ من حظوظ النفس الأمارة بالسوء، فالحق أحق أن يتبع. ثالثًا: لما عرف أولئك الفتية الحق جهروا به، كما قال –تعالى-: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾[الكهف:14-15]، وأكثر المفسرين أنهم قالوا هذا الكلام العظيم أمام ملك زمانهم، وما كانت دعوتهم إلا دعوة الرسل، ألا وهي إفراد الله بالعبادة، والبراءة من عبادة ما سواه، ما طالبوا بحكم، ولا نافسوا على ملك، ولكن دعوا إلى إفراد الله بالعبادة، وهكذا على كل من عرف الحق وعلمه، عليه أن يدعو إليه، على بصيرة وحكمة، وأن يسلك في دعوته مسلك النبيين وأتباعهم، من العناية بالتوحيد، والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، ومع ما هدى الله أولئك الفتية إليه من الدعوة إلى الحق، فقد من عليهم بأن ربط على قلوبهم، وثبتهم في ذلك الموقف الحرج، والله لا يخذل من صدق معه، وتسلح بسلاح الصبر واليقين. رابعًا: حين خشي أولئك الفتنة من أذى قومهم رأوا أن يفروا بدينهم وبأنفسهم، في مكان يعبدون ربهم فيه آمنين مطمئنين، والعزلة مطلوبة حين لا يكون لمخالطة الناس ودعوتهم جدوى ولا أثر، أو كان المرء يخاف على نفسه من أهل الباطل بتسلطهم أن يتعرضوا له ببلاء لا طاقة له به، بأن يفتنوه عن دينه ببطشهم، أو أن يرتد على عقبيه، فيضعف إيمانه لمخالطتهم، فيشاركهم في معصية الله –تعالى-، فلجأوا إلى الكهف، وابتهلوا إلى الله قائلين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾[الكهف:10]، فكانت قلوبهم معلقة بالله وحده، فآواهم الله، وسلمهم وحفظهم، وجعل لهم لسان صدق إلى يوم القيامة. وإذا كانت عزلة أولئك الفتية بحق، فإننا نجد اليوم من الشباب من يعتزل أسرته ومجتمعه بباطل، تأثرًا ببعض المناهج المنحرفة التي تصور لهم أنهم يعيشون في مجتمع جاهلي، ولا سبيل لهم إلى الخلاص من شروره إلا بالعزلة الشعورية بينهم وبينه، ثم بالانضمام إلى مجموعات تحمل نفس الفكر، ولهذا نجد كثيرًا من الآباء لا يعلم عن أبنائه شيئًا، ثم لا يسمع بهم إلا في بلاد الفتن والفوضى، أو ضحايا أعمال تخريبية، كانوا هم وقودها وحطبها. ومما يلفت الانتباه –عباد الله- ما كان عليه أولئك الفتية من الحلم والتؤدة والأناة، وهذا من توفيق الله لهم، فإنهم مع كونهم واجهوا مجتمعًا مشركًا شركًا أكبر، إلا أنهم أدركوا ضعف قوتهم وقلة عددهم، فاعتزلوهم وكفوا أيديهم عنهم، وأكثر مصائب العالم الإسلامي اليوم ناتجة عن التهور والطيش؛ حيث يتحرش الضعفاء بالأقوياء، فتعود العاقبة وخيمة على الإسلام وأهله ودياره. خامسًا: أن من صدق مع الله صدق معه، وأحاطه بلطفه، وهيأ له من الأسباب ما لا يخطر له على بال، فقد ألقى الله عليهم النوم مئات السنين، وأكرمهم بأن صرف عنهم ضياء الشمس فلا يؤذيهم، مع كونهم في مقابلها على ما حققه بعض المفسرين؛ لأنه جعل ذلك من آياته، فدل على أن ما حصل لهم أمر خارق للعادة، وكان سبحانه يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ حتى يحسبهم الناظر أيقاظًا، وحتى لا تأكلهم الأرض، وألقى على من يطلع عليهم الرعب، فلا يدخل إليهم أحد، فحفظهم الله أيقاظًا، وحفظهم نائمين، وحفظهم في قلوبهم، وفي أبدانهم، وفي أموالهم، ومن حفظ اللهَ حفظه الله. سادسًا: فضل الصحبة الصالحة، فإن الكلب لما صحب أولئك الصالحين ناله من بركتهم، فألقي عليه النوم معهم، وبقي ذكره معهم، وفي الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أن الرجل يمر بحلقة ذكر فيجلس فيها، فيغفر الله له معهم. فعلى المسلم –ولا سيما الشباب في مقتبل عمره- أن يحسن اختيار الصحبة، وليحرص على أصحاب العقيدة السليمة، المجافين للبدع وأهلها، وللأحزاب وأهلها، المحافظين على خصال الخير في العبادة والتعامل، وليحذر كذلك من صحبة الأشرار من أصحاب العقائد الفاسدة، أو التفريط في العبادة، أو الأخلاق السيئة؛ فإن صحبتهم داء عضال تضر في الحال والمآل، وفي الحديث: «أنت مع من أحببت». سابعًا: فضل التباحث في العلوم النافعة، فإن أولئك الفتية حين بعثهم الله من نومهم أخذوا يتساءلون عن المدة التي استغرقوها في نومهم، وانقسموا فريقين: منهم من قدرها مدة قصيرة ﴿يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾[الكهف:19]، ومنهم من شعر بذلك، بأنها مدة طويلة، ولكن دون تحقيق، فوكلوا العلم إلى الله، ووجه كونه بحثًا في علم نافع أن الله إنما بعثهم لمصالح، ومنها أن يتساءلوا عن هذه المدة، فإذا عرفوها عرفوا بذلك لطف الله بهم، وحسن عنايته ورعايته لهم، وينبغي أن تعمر المجالس بذكر الله، وبالتباحث في العلوم النافعة التي بها حياة القلوب وصلاح الأخلاق، وليحذر المسلم من مجالس الغفلة؛ فإنه ما من قوم يجلسون مجلسًا ثم يقومون ولم يذكروا الله فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة، وإذا بحثت قضية في الدين فليتكلم المسلم بعلم، أو ليسكت وليكل العلم إلى الله، وليحذر أن يقول على الله بغير علم فيهلك؛ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء:36]. وثامنًا: يستفاد من قصتهم الحرص على أكل الطيب المباح؛ فإنهم أرسلوا أحدهم، وأمروه بأن يعتني بأزكى الطعام، ويدخل في زكائه إباحته وحله دخولًا أوليًّا، ولا بأس باختيار أطايب الطعام، ولكن على المسلم أن يعنى أولًا بأن لا يأكل إلا طيبًا زكيًّا، وليحذر من المكاسب المحرمة؛ فالجسد إذا نبت على غذاء محرم كان إلى النار، وفي الحديث: «أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به». ونحن في زمن -عباد الله- كثرت فيه المعاملات التجارية المحرمة والمشتبهة، وصار كثير من الناس لا يهمه إلا تحقيق الأرباح وتحصيل المكاسب، دون أن يبالي أمن حلال ربح، أم من حرام -والعياذ بالله-. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: عباد الله، ومن الفوائد كذلك: الفائدة التاسعة: في هذه القصة دليل ظاهر باهر على البعث والنشور يوم القيامة؛ فالذي أيقظ أولئك الفتية بعد ثلاثمائة سنة قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾[الكهف:21]. عباد الله، إنكم بعد حياتكم هذه تموتون، ثم بعد موتكم تبعثون، ثم إلى عرصات القيامة تحشرون، ثم إنكم بأعمالكم مجزيون، ثم ينقسم الخلق إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، جعلني الله وإياكم من أهل الجنة. ومن الفوائد كذلك العاشرة: نوه الله بشأن أولئك الفتية في آخر أمرهم، حيث أعثر عليهم، ورفع ذكرهم، وأجل قدرهم، حتى إن الناس اختصموا فيهم، بعد الخوف والذلة والعزلة، مصداق قوله –تعالى-: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[هود:49]، ومصداق قوله –تعالى-: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[يوسف:90]. وهنا يجدر التنبيه إلى أن بناء المساجد على قبور الأنبياء أو الصالحين منكر عظيم، ومن فعله فهو ملعون، وقد حذر النبي –صلى الله عليه وسلم- عند موته من ذلك تحذيرًا بالغًا شديدًا، فقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا؛ لأن بناء المساجد على القبور يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله، بدعائها والذبح عندها، والنذر لها، والله –عز وجل- لم يذكر مسألة بناء المسجد على أولئك الفتية ترغيبًا فيه ولا حثًّا عليه، ولكنها حكاية حال أولئك القوم، وقد قام النبي –صلى الله عليه وسلم- لبيان حكم هذا المنكر العظيم، فلا حجة لأن يستدلوا بالقصة على بناء المساجد على القبور، أو دفن الموتى في المساجد. اللهم أمتنا على التوحيد، اللهم ثبتنا على لا إله إلا الله، اللهم ثبتنا على لا إله إلا الله، يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ربنا اغفر لنا ولوالدينا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.