فصل الصيف موعظة للمتقين وعبرة للمؤمنين
فصل الصيف موعظة للمتقين وعبرة للمؤمنين
  | , 3474   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: فصل الصيف موعظة للمتقين وعبرة للمؤمنين.
  • ألقاها : الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء - 9 رجب 1432.

 
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفاسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلي الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها،  وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار، أما بعد: عباد الله.. إننا نعيش أيامًا وفصلاً من فصول السنة إنما هو موعظة للمتقين, وعبرة للمؤمنين الذين يتفكرون فيتذكرون، وإلى ربهم يرجعون ويتوبون ويتقون، هذا الصيف الذي نعيشه فيه بحره وسمومه وشمسه الحارقة؛ ليذكرنا بتلك الدار التي هي دار الكافرين والفاسقين، تلك الدار التي وقودها الناس والحجارة ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾[المعارج:15]، ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾[المعارج:16]. أي تنزع اللحم والجلد عن الرأس؛ حتى لا تترك منه شيئًا, تلك الدار التي تتنوع فيها أصناف العذاب، وأنواع العقاب، طعامهم من زقوم وشرابهم الحميم وردغة خبال، وهي عصارة وصديد أهل النار. إن شدة الحر التي نعيشها، وهذا السموم الذي يمر بنا إنما هو من نَفَسِ جهنم لنتذكرها فنعمل علي الهرب منها يقول -صلي الله عليه وسلم-: «إذا اشتد الحر فأبردوه بالصلاة, فإن شدة الحرٍ من فيح جهنم». وجاء في الحديث عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال «اشتكت النار إلي ربها فقالت يارب أكل بعضي بعض» فجعل لها نفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد  فمن زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر فمن سمومها، فنسأل الله أن يجيرنا من هذه الدار التي فيها الجليد الصقيع الذي يكسر العظام، ألا وهو زمهرير وبالمقابل نار شديدة أشد من نار الدنيا بتسعٍ وستين مرة، فالعذاب فيها له صور عديدة وأنواع شديدة، وتذكر إذ رأيت الشمس الحارة موقف الناس في يوم القيامة للحساب؛ حتى تعمل لهذا اليوم، روى مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال «تدنوا الشمس يوم القيامة من الخلق؛ حتى تكون منهم كمقدار ميلاً فيكون الناس علي قدر أعمالهم في الهرب, فمنهم من يكون إلي كعبيه, ومنهم من يكون إلي ركبتيه, ومنهم من يكون إلي حقويه, ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا» والميل قيل أنه ميل المكحلة وهي الحديدة التي تستخدم لكحل العين، وقيل ميل المسافة فتكون الشمس بقدر هذه المسافة من الرؤوس، فعلى الإنسان أن يجتهد؛ حتى يقي نفسه حر ذلك اليوم، كل ذلك في يومٍ مقداره خمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الصحيح «أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاةً عراة غرلًا -أي غير مختونين- في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة». نعم عباد الله ليس بسنةً ولا سنتين ولا قرنًا ولا قرنين، بل خمسين ألف سنة, ويزيد هذا الكرب شدةً الوقوف والانتظار تحت لهيب شمسٍ قريبة من الرؤوس؛ حتى إنهم من شدة عرقهم ليغوص العرق علي الأرض سبعين ذراعًا ثم يرتفع؛ حتى يصل عند بعضهم إلي رؤوسهم، روي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «يعرق الناس يوم القيامة؛ حتى يذهب عرقهم إلي الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم؛ حتى يبلغ أذانهم» فماذا أعددنا عباد الله لذلك الكرب الشديد من عمل؟ ماذا أعددنا له من طاعات؟ إن على العبد المؤمن أن يجتهد غاية الاجتهاد؛ حتى يقي نفسه هذا العذاب وحر ذلك اليوم وعرق ذلك الوقت، ويكون في ظل عرش الله -سبحانه وتعالى- وفي ظل عمله وصدقته، فالعمر مزرعتك التي تجني ثمارها يوم القيامة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فلا تلومن إلا نفسك. عباد الله.. إن الإيمان بالله والعمل الصالح له أثـرٌ عظيمٌ في تخفيف هذا الكرب الشديد, ومرور ذلك الوقت الطويل من غير عناء ولا مشقة، وقد روى الحاكم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي      -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر» وهناك من الأعمال الكثيرة التي تكون سببًا لتستظل بعرش الرحمن، وتبعد عن لهيب الشمس الحارقة التي لا تغيب خمسين ألف سنة، فمن ذلك إنظار المعسر صاحب الدين؛ حتى يسدد دينه, وتخفيف الدين عنه, والرفق به، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال النبي -صلي الله عليه وسلم-: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» رواه مسلم. وكذلك التحاب في الله, فتحب أخاك لله لا لمصلحة ولا لدنيا، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة    -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «يقول الله تعالي يوم القيامة أين المتحابون لجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» وكذلك التصدق في سبيل الله, وإعطاء الفقراء ما تجود به النفوس والإكثار من ذلك فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال: «إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته» وعن عقبة بن عامر عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: «كل إمرءٍ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس». كذلك حفظ سورتي البقرة وآل عمران وتعلمهما, فقد روى بريده الإسلامي -رضي الله  عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف» رواه أحمد. عباد الله.. إن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قد بين لنا أشياء كثيرة من الطاعات تنجينا من شدة الحر  يوم القيامة, وقد جمع لنا سبعة أعمال فاضلة من عملها لله، وأخلص فيها كان في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم-  قال: «سبعة يظلهم الله في ظلهَ يوم لا ظل إلا ظِله إمام عادل, وشاب نشأ في عبادة الله, ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه, ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه, ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه, ورجلٌ دعته أمراةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين, ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». فحري بك أخي المسلم يا من تحرص على عدم التعرض إلى لهيب الشمس المحرقة في الدنيا وتوصي أبناءك بذلك، أن تحرص كل الحرص على أن تقي نفسك وأهلك حر هذه الشمس يوم القيامة وحر النار بعد ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم:6].  أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على اله و صحبه و من اتبع هداه اما بعد عباد الله إننا في أيامٍ الجميع فيها يُستعد بعد ذلك للاختبارات فأولياء الأمور حريصون على أولادهم يحثونهم على الدراسة و بذل أسباب النجاح و الطلاب يكدون ويسهرون للحصول على الدرجات العالية و هذا الاختبار المصغر يجب أن يذكرنا بالاختبار الأعظم و الامتحان الكبير الذي يجب أن نحرص على أسباب النجاح فيه و نحصل فيه على درجاتٍ عالية إن حياتنا كلها عباد الله اختبار و امتحان و هو اختبار عام شامل للكبير و الصغير للمتعلم و الجاهل للرجل و المرأة ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ  ﴾ [سورة الملك:2] فالذي يريد النجاح يجتهد في عبادة الله وحده لا شريك له و يجتنب جميع أسباب غضب الله تعالى فالله ما خلقنا إلا لعبادته وحده ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [سورة الذاريات 56] فالحياة كلها اختبار فاجعل حياتك كلها لله ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[ سورة الأنعام 162] فالاختبارات و الامتحانات تتوالى على العبد المسلم ليمتحن الله إيمانه في هذه الدنيا ﴿ الـمـ (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) ﴾ [ سورة العنكبوت 1-3] امتحانٌ تكون نتيجته في قبرك ويوم القيامة إن قدمت خيراً فسترى خيرا وإن قدمت شراً فلا تلومن إلا نفسك فاستعدوا لليوم الآخر وكونوا من عباد الله المتقين تحوزوا جنات النعيم كما أوصي المعلمين والطلبة بالحذر والتحذير من الغش في الاختبارات وعدم التساهل في ذلك فإن ذلك كبيرةٌ من الكبائر، فمن غشنا فليس منا. اللهم إنا نسألك الفوز و النجاح في الدنيا والآخرة اللهم إنا نسألك الجنة  اللهم إنا نسألك الجنة اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك اللهم أجرنا من النار، ربنا أتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات و صلى الله و سلم على نبينا محمد.