فصل الصيف موعظة للمتقين وعبرة للمؤمنين
فصل الصيف موعظة للمتقين وعبرة للمؤمنين
  | , 2805   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: فصل الصيف موعظة للمتقين وعبرة للمؤمنين.
  • ألقاها : الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء - 9 رجب 1432.

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفاسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلي الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها،  وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار، أما بعد: عباد الله.. إننا نعيش أيامًا وفصلاً من فصول السنة إنما هو موعظة للمتقين, وعبرة للمؤمنين الذين يتفكرون فيتذكرون، وعلي ربهم يرجعون ويتوبون ويتقون، هذا الصيف الذي نعيشه فيه بِـحَرِهِ وسمومه وشمسهِ الحارقة؛ ليذكرنا بتلك الدار التي هي دار الكافرين والفاسقين، تلك الدار التي وقودها الناس والحجارة ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾[المعارج:15]، ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾[المعارج:16]. أي تنزع اللحم والجلد عن الرأس؛ حتى لا تترك منه شيئًا, تلك الدار التي تتنوع فيها أصناف العذاب، وأنواع العقاب، طعامهم من زقوم وشرابهم الحميم وردغة خبال، وهي عصارة وصديد أهل النار. إن شدة الحر التي نعيشها، وهذا السموم الذي يمر بنا إنما هو من نفس جهنم لنتذكرها فنعمل علي الهرب منها يقول -صلي الله عليه وسلم-: «إذا اشتد الحر فأبردوه بالصلاة, فإن شدة الحرٍ من فيح جهنم». وجاء في الحديث عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال «اشتكت النار إلي ربها فقالت يأرب أكل بعضي بعض» فجعل لها نفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد  فمن زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر فمن سمومها، فنسأل الله أن يجيرنا من هذه الدار التي فيها الجليد الصقيع الذي يكسر العظام، ألا وهو زمهرير وبالمقابل نار شديدة أشد من نار الدنيا بتسعٍ وستين مرة، فالعذاب فيها له صور عديدة وأنواع شديدة، وتذكر إذ رأيت الشمس الحارة موقف الناس في يوم القيامة للحساب؛ حتى تعمل لهذا اليوم، روى مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال «تدنوا الشمس يوم القيامة من الخلق؛ حتى تكون منهم كمقدار ميلاً فيكون الناس علي قدر أعمالهم في العرق, فمنهم من يكون إلي كعبيه, ومنهم من يكون إلي ركبتيه, ومنهم من يكون إلي حقويهِ, ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا» والميل قيل أنه ميل المكحلة وهي الحديدة التي تستخدم لكحل العين، وقيل ميل المسافة فتكون الشمس بقدر هذه المسافة من الرؤوس، فعلى الإنسان أن يجتهد؛ حتى يقي نفسه حر ذلك اليوم، كل ذلك في يومٍ مقداره خمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الصحيح «أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاةً عراة غرلًا -أي غير مختونين- في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة». نعم عباد الله ليس بسنةً ولا سنتين ولا قرنًا ولا قرنين، بل خمسين ألف سنة, ويزيد هذا الكرب شدةً الوقوف والانتظار تحت لهيب شمسًا قريبة من الرؤوس؛ حتى إنهم من شدة عرقهم ليغوص العرق علي الأرض سبعين ذراعًا ثم يرتفع؛ حتى يصل عند بعضهم إلي رؤوسهم، روي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «يعرق الناس يوم القيامة؛ حتى يذهب عرقهم إلي الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم؛ حتى يبلغ أذانهم» فماذا أعددنا عباد الله لذلك الكرب الشديد من عمل؟ ماذا أعددنا له من طاعات؟ إن علي العبد المؤمن أن يجتهد غاية الاجتهاد؛ حتى يقي نفسه هذا العذاب وحر ذلك اليوم وعرق ذلك الوقت، ويكون في ظل عرش الله -سبحانه وتعالي- وفي ظل عمله وصدقته، فالعمر مزرعتك التي تجني ثمارها يوم القيامة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فلا تلومًا إلا نفسك. عباد الله.. إن الإيمان بالله والعمل الصالح له أثرًا عظيمًا في تخفيف هذا الكرب الشديد, ومرور ذلك الوقت الطويل من غير عناء ولا مشقة، وقد روى الحاكم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي      -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «يوم القيامة علي المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر» وهناك من الأعمال الكثيرة التي تكون سببًا لتستظل بعرش الرحمن، وتبعد عن لهيب الشمس الحارقة التي لا تغيب خمسين ألف سنة، فمن ذلك إنذار المعسر صاحب الدين؛ حتى يسدد دينه, وتخفيف الدين عنه, والرفق به، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال النبي -صلي الله عليه وسلم-: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» رواه مسلم. وكذلك التحاب في الله, فتحب أخاك لله لا لمصلحة ولا لدنيا، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة    -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «يقول الله تعالي يوم القيامة أين المتحابون لجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» وكذلك التصدق في سبيل الله, وإعطاء الفقراء ما تجود به النفوس والإكثار من ذلك فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلي الله عليه وسلم-  قال: «إن الصدقة لتطفي عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته» وعن عقبة بن عامر عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: «كل امرئ في ظل صدقته؛ حتى يقضي بين الناس». كذلك حفظ سورتي البقرة وآل عمران وتعلمهما, فقد روى بريده الإسلامي -رضي الله  عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: «تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف» رواه أحمد. عباد الله.. إن رسولنا -صلي الله عليه وسلم- قد بين لنا أشياء كثيرة من الطاعات تنجينا من شدة الحر  يوم القيامة, وقد جمع لنا سبعة أعمال فاضلة من عملها لله، وأخلص فيها كان في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم-  قال: «سبعة  يظلهم الله في ظلهَ يوم لا ظل إلا ظِله إمام عادل, وشاب نشأ في عبادة الله, ورجلًا قلبه معلقًا بالمساجد إذا خرج منه؛ حتى يعود إليه, ورجلان تحابا في الله فاجتمع علي ذلك وافترقا عليه, ورجلاً ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه, ورجلًا دعته أمراه ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين, ورجلًا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». فحري بك أخي المسلم يا من تحرص علي عدم التعرض للشمس المحرقة في هذه الدنيا وتوصي أبناءك بذلك، أن تحرص كل الحرص علي أن تقي نفسك حر هذه الشمس يوم القيامة وحر النار بعد ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم:6].  أقولها فاسمعوني واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على اله و صحبه و من اتبع هداه اما بعد عباد الله إننا في أيام الجميع فيها مستعد بعد ذلك للاختبارات فأولياء الأمور حريصون على أولادهم يحثونهم على الدراسة و بذل أسباب النجاح و الطلاب يدرسون و يتعبون للحصول عل الدرجات العالية و هذا الاختبار المصغر يجب أن يذكرنا بالاختبار الأعظم و الامتحان الكبير الذي يجب أن نحرص فيه على أسباب النجاح و نحصل فيه على الدرجاتٍ عالية وهذا الاختبار المصغر يجب أن يذكرنا بالاختبار الأعظم إن حياتنا كلها عباد الله اختبار و امتحان و هو اختبار عام شامل للكبير و الصغير و للمتعلم و الجاهل و للرجل و المرأة (( الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا )) فالذي يريد النجاح يجتهد في عبادة الله وحده لا شريك له و يجتنب جميع أسباب غضب الله تعالى فالله ما خلقنا إلا لعبادته وحده (( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون )) فالحياة كلها اختبار فاجعل حياتك كلها لله (( قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له )) فالاختبارات و الامتحانات تتوالى على العبد المسلم ليمتحن الله إيمانه (( ألم احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين )) امتحان تكون نتيجته في قبرك و يوم القيامة إن قدمت خيراً فسترى خيرا و إن قدمت شراً فلا تلومن إلا نفسك فاستعدوا لليوم الآخر و كونوا من عباد الله المتقين تحوزوا جنات النعيم كما أوصي المعلمين و الطلبة بالحذر و التحذير من الغش في الاختبارات و عدم التساهل في ذلك فإن ذلك كبيرة من الكبائر، فمن غشنا فليس منا اللهم إنا نسألك الفوز و النجاح في الدنيا و الآخرة اللهم إنا نسألك السداد و التوفيق يا رب العالمين اللهم إنا نسألك الجنة و ما قرب إليها من قول و عمل و نعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول و عمل اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا و والدين من النار اللهم أجرنا و والدين من النار ربنا أتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات و صلى الله و سلم على نبينا محمد