رمضان شهر القيام والقرآن
رمضان شهر القيام والقرآن
  | , 1019   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة : رمضان شهر القيام والقرآن.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  •  المكان: خطبة جمعة في يوم 14 رمضان - عام 1438هـ في مسجد السعيدي بالجهراء. ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

 
  • الخطبة الأولى:
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله. أمَّا بعد... فإنّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ -صلّى الله عليه وسلّم-، وشرّ الأُمور مُحدثاتها، وكُلَّ مُحدثة بِدعة، وكُلَّ بِدعة ضلالة، وكُلَّ ضلالة في النّار. أمَّا بعد،،، عباد الله، إن شهر رمضان موسمٌ عظيمٌ من مواسم الطاعة حيث تُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبوا النار، وتُصفدُّ فيه مردة الشياطين، وتتهيأ النفوس للعبادة، وتنشط فيها أكثر ما يكون من غيره، وإن من أحسن ما يستغل به المسلم وقته في شهر رمضان المبارك، من نوافل العبادات تلاوة القرآن فلتلاوته في هذا الشهر مزيةٌ خاصة، حيث ابتدأ الله إنزال القرآن في شهر رمضان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[البقرة:185]. وقد كَثُرَ الترغيب في الكتاب والسُنَّة في تلاوة القرآن الكريم فمما جاء في فضل تلاوته قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾[فاطر: 29/30]، ومعنى قوله تعالى: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بُدَّ من حصوله، وكان مطرف –رحمه الله تعالى- إذا قرأ هذه الآية، قال: "هذه آية القرَّاء". وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه-، أن النبي –صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ»، وفي صحيح مسلمٍ عن أبي أمامة –رضي الله عنه-، عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»، وفي صحيح مسلمٍ أيضًا، عن أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه-، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». فاجتهدوا عباد الله، في كثرة قراءة القرآن المبارك، لا سيما في هذا الشهر الذي أُنزل فيه فإن لكثرة القراءة فيه مزيةٌ خاصة، كان جبريل –عليه السلام-، يعارض النبي –صلى الله عليه وسلم- القرآن في رمضان كل سنةٍ مرة، فلما كان العام الذي تُوفي فيه عارضه مرتين تأكيدًا وتثبيتًا. وكان السلف الصالح يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان، في الصلاة وخارج الصلاة، كان الزهري يقول: "إذا دخل رمضان إنَّما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام"، وكان مالكٌ -رحمه الله- إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف، وكان جماعةٌ من السلف يختمون القرآن في شهر رمضان مراتٍ عديدة، فاقتدوا بهم في الإقبال على تلاوة القرآن الكريم وتدبره. وللتلاوة عباد الله، آدابٌ كثيرةٌ منها:   إخلاص النية لله تعالى فيها: قال الله-عزَّ وجلَّ- ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[غافر:14]، والتلاوة من أجلَّ العبادات وأفضل القُربات. وقال –صلى الله عليه وسلم-: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به وجه الله -عزَّ وجلَّ- من قبل أن يأتي قومٌ يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه»، رواه أحمد، ومعنى «يتعجلونه» أي: يتلونه يطلبون به أجر الدنيا.   ومن آدابها: أن يقرأ بقلبٍ حاضرٍ يتدبر ما يقرأ، ويتفهم معانيه، ويخشع عند ذلك قلبه، ويستحضر بأن الله يخاطبه؛ لأنَّ القرآن كلام الله -عزَّ وجلَّ-.   ومن آدابها أن يقرأ القرآن على طهارة؛ لأنه من تعظيم كلام الله -عزَّ وجلَّ-، ولا يقرأ القرآن وهو جُنُب، حتى يغتسل أو يتيمم إن عجز عن استعمال الماء، للنصوص الواردة في هذا.   ومن آدابها: الابتداء بالاستعاذة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أردت أن تقرأ القرآن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾[النحل:98]، وأمَّا البسملة فيبسمل أول كل سورةٍ، إلا في سورة التوبة.   ومن آدابها: أن يحسن صوته بالقرآن ويترنم به، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ما أذن الله لشيءٍ» أي: ما استمع لشيءٍ، «كما أذن لنبيٍ حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به»، وإذا كان معك أحدٌ حيث تقرأ فلا تجهر بالقرآن جهرًا، يشوش عليه قراءته أو صلاته؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ولا يجهر بعضكم على بعض في القرآن»، رواه مالكٌ، وصححه ابن عبد البر.   ومن آدابها: أن يرتل القرآن ترتيلاً؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[المزمل:4]، فيقرأ بتمهلٍ دون سرعة؛ لأنَّ ذلك أعون على تدبر معانيه، وتقويم حروفه وألفاظه، في صحيح البخاري عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- أنه سُئل عن قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "كانت مدًا، ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ ﴾[الفاتحة: 1/4]، يمد (بسم الله)، ويمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم)"، وسئلت أم سلمة عن قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: " كان يقطع قراءته آيةً آيةً، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[الفاتحة: 1/4]، رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال ابن مسعود –رضي الله تعالى عنه-: "لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهزوه هز الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة"، ولا بأس عباد الله، بالسرعة التي ليس فيها إخلالٌ باللفظ، فإن كانت السرعة تؤدي إلى الإخلال باللفظ، فهي حرامٌ؛ لأنها تغييرٌ للقرآن.  ومن آدابها: السجود إذا مرَّ بآية سجدة. فاجتهدوا عباد الله في تلاوة القرآن، لا سيما في هذا الشهر الكريم. اللهم إنَّا نسألك أن توفقنا لتلاوة كتابك، على الوجه الذي يرضيك عنَّا برحمتك يا أرحم الراحمين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه. أمَّا بعد.. عباد الله، و من أحسن ما يتقرب به المسلم إلى ربه في هذا الشهر من نوافل الطاعة قيام الليل، وقيام الليل مشروع في العام كله، قال تعالى يمدح أهل قيام الليل: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾[الفرقان:64]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾[السجدة:16/17]. يقول -صلى الله عليه وسلم-:«أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وقال -صلى الله عليه وسلم- «أيُّها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنَّة بسلام». وقال -صلى الله عليه وسلم- في خصوص قيام رمضان: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه»، ومعنى قوله: «إيماناً» أي: إيمانًا بالله وبما أعده من الثواب للقائمين، ومعنى قوله: «احتسابًا» أي: طلبًا لثواب الله، لم يحمله على ذلك رياءٌ ولا سمعة، ولا طلب مالٌ ولا جاه. ومن قيام الليل صلاة التراويح، فينبغي للمسلم أن يعتني بها، ويواظب عليها الشهر كله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- هو أول من سنَّ الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، ثم تركها خوفًا من أن تفرض على أمته، وأحيا عمر –رضي الله تعالى عنه- هذه السُّنَّة الجليلة، ولا يزال المسلمون على ذلك. وكان السلف يطيلون التراويح جدًا، ففي حديث السائب بن يزيد -رضي الله عنه- قال: "كان القارئ يقرأ بالمئين" يعني: بمئات الآيات، "حتى كنَّا نعتمد على العصي من طول القيام". والسُّنَّة في قيام الليل، أن تصلى ركعتين ركعتين؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الليل مثنى مثنى»، والسُّنَّة أن يصليها إحدى عشرة ركعة؛ لمواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا العدد، ولأمر عمر به الإمامين، اللذين عينهما في صلاة التراويح، والوتر سُنَّةٌ مؤكدة، لا ينبغي للمسلم تركه في سفرٍ ولا حضر، فإذا فرغ من قيام الليل أوتر، وينبغي للمسلم أن يقوم مع الإمام حتى يفرغ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِب له قيام ليلة». ويجوز للنساء حضور التراويح في المساجد، أذا أُمنت الفتنة منهنَّ وبهنَّ؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»؛ ولأنَّ هذا من عمل السلف الصالح. لكن يجب أن تأتي المرأة متحجبةً متسترةً، غير متبرجةٍ ولا متطيبةٍ ولا مبديةً زينتها، والسُّنَّة للنساء أن يتأخرن عن الرجال، ويبدأن بالصف المؤخر عكس الرجال؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» رواه مسلم، وهذا إذا كنَّ يصلين وراء الرجال دون سترٍ، فإذا كان بينهنَّ وبين الرجال سترٌ فحكم صفوفهنَّ حكم صفوف الرجال. والسُّنَّة أن ينصرف النساء فور تسليم الرجال، ولا يتأخرن إلا لعذر، وأن يتأخر الرجال قليلاً، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سلم قام النساء، حتى يقضيَ تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم، قالت: نرى والله أعلم، أن ذلك كان؛ لكي ينصرف النساء قبل أن يدركُهنَّ الرجال" رواه البخاري. ومن أحسن ما يُعنى به المسلم في هذا الشهر، الحرص على تفطير الصوَّام و سحورهم، ومواساتهم، وإعانتهم على كل خير، وتحمل أذاهم، وكف الأذى عنهم، وبذل المستطاع لهم من وجوه الإحسان؛ ابتغاء وجه الله، وطمعًا في واسع مغفرته وعظيم إحسانه، ففي الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: «من فطر صائمًا فله مثل أجره». عباد الله، ها قد انتصف شهر رمضان وذهب بما حمل كلٌّ منَّا من عملٍ صالحٍ عمله فيه، فاسأل نفسك يا عبد الله، وراجعها ماذا عملت؟ وماذا قدمت لنفسك؟ ما حالك مع الصلاة؟ وما حالك مع القيام؟ وما حالك مع الصدقة والنفقة؟ ما حالك مع كتاب الله؟ ثم بعد ذلك حاسبها إن خيرًا فلله الفضل والمنة، وإن قصرت فأدرك ما فاتها من هذا الشهر بالتوبة والإنابة والأوبة واستغلال الأوقات والفراغ في طاعة الرحمن. اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا في هذا الشهر من المقبولين، اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا من المقبولين، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة:201]، اللهم اغفر المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، ربنا تقبل منَّا إنك أنت السميع العليم، واستجب لنا إنك أنت السميع العليم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.