رسالة إلى المرأة المسلمة
رسالة إلى المرأة المسلمة
  | , 3272   |   طباعة الصفحة


  • خطبة جمعة : رسالة إلى المرأة المسلمة.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  •  المكان: خطبة جمعة في يوم 27 جمادى الأول - عام 1438هـ في مسجد السعيدي بالجهراء، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

   
  • الخطبة الاولى:
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله. أمَّا بعد... فإنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ -صلّى الله عليه وسلّم-، وشرّ الأُمور مُحدثاتها، وكُلَّ مُحدثة بِدعة، وكُلَّ بِدعة ضلالة، وكُلَّ ضلالة في النّار. أمَّا بعد... عباد الله، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن تقوى الله -جلَّ وعلا- هي أساس الفلاح، وعنوان السعادة في الدنيا والآخرة، وتقوى الله -جلَّ وعلا- أن يعمل العبد بطاعة الله على نورٍ من الله يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله على نورٍ من الله يخاف عقاب الله. عباد الله، إنَّ نعمة الله عظيمة، ونعمه كثيرة، ومن نعم الله – عزَّ وجلَّ- على المرأة المسلمة ومنته عليها الكبيرة الكثيرة، حيث هيأ لها في الإسلام أسباب سعادتها، وصيانة فضيلتها، وحراسة عفتها، وتثبيت كرامتها، ودَرْءَ  المفاسد والشرور عنها؛ لتبقى زكية النفس طاهرة الخلق، منيعة الجانب، مصونةٌ عن موارد التهتك والابتذال، محميةً عن أسباب الزيغ والانحراف والانحلال. لقد أكرم الإسلام المرأة المسلمة أعظم إكرام، وصانها أحسن صيانة، وتكفّل لها بحياةٍ كريمة، شعارها الستر والعفاف، ودثارها الطُّهر والزكاة، ورايتها إشاعة الأدب وتثبيت الأخلاق، وغايتها صيانة الشرف وحماية الفضيلة، وستبقى المرأة المسلمة رفيعة الجانب، عزيزة المنال، صيّنة الأخلاق، مادامت متمسكةً بدينها، محافظة على أوامر ربها، مطيعةً لنبيها -صلى الله عليه وسلم-، مُسْلِمة وجهها لله، مذعنةً لشرعه وحكمه، بكل راحةٍ وثقةٍ واطمئنان، غير ملتفتةٍ إلى الهمل من الناس، من دعاة الفاحشة والفتنة، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. عباد الله، إنَّ المرأة المسلمة في هذه الأزمان، تتعرض لهجماتٍ شرسة، ومؤامراتٍ حاقدة، ومخططاتٍ أثيمة، تستهدف الإطاحة بعفتها وهتك شرفها ودك كرامتها، ووأد فضيلتها وخلخلة دينها وإيمانها، وإلحاقها بركب العواهر والفاجرات، وذلك من خلال قنواتٍ فضائية مدمرة، ومجلاتٍ خليعةٍ هابطة، واحتفالاتٍ وغناءٍ ورقصٍ وقلة حياء، وإشغالها بأنواعٍ من الألبسة الكاسية العارية، وتهييج قلبها إلى حب التشبه بغير المسلمات، ممن يمشين على الأرض دون إيمان يردع، أو خلقٍ يزع، أو أدب يمنع، وجرها من وراء ذلك كله إلى منابذة الشريعة، وجر أذيال الرذيلة، والبعد عن منابع العفة والفضيلة، لا مكنَّهم الله مما يريدون. عباد الله، لقد دلت النصوص الشرعية، أن الفتنة بالمرأة إذا وقعت، ترتب عليها من المفاسد والمضار وسوء العواقب، ما لا يُدرك مداه ولا تحمد عقباه، روى البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما تركتُ بعدي فتنة هي أضرُّ على الرجال من النساء»، وروى ومسلم في صحيحه عن أبى سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإنَّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». وقال -صلى الله عليه وسلم-: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، أي: اتخذها غرضًا لها؛ لتهييج الفاحشة، وإشاعة الرذيلة وفتن الرجال بها، لا سيما إذا خرجت متجملةً متعطرةً متزينة، مُظهرةً لبعض مفاتنها، مبديةً لبعض محاسنها، كاشفةً وجهها بملابس فاتنةٍ ضيقة، حتى ولو بعبايات الكتف الضيقة، فهناك يعظم الشر، ويتزايد الفساد. عباد الله، ومن يتأمل التاريخ على طول مداه، يجد أنَّ من أكبر أسباب انهيار الحضارات وتفكك المجتمعات، وتحلل الأخلاق، وفساد القيم، وفُشو الجرائم، هو تبرج المرأة ومخالطتها للرجال، ومبالغتها في الزينة وخلوتها مع الأجانب، وارتيادها للمنتديات والمجالس العامة، وهي في ذلك على أتم زينتها، وأبهى حُلتها وأكمل تعطرها. يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-:"ولا ريب أنَّ تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، أصل كل بليةٍ وشر،  وهو من  أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سببٌ لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة"، انتهى كلامه -رحمه الله-. عباد الله، إنَّ الإسلام لم يفرض على المرأة الحجاب، ولم يمنعها من تلك الأمور؛ إلا ليصونها عن الابتذال، وليحميها من التعرض للريبة والفحشاء، وليمنعها من الوقوع في الجريمة والفساد، وليكسوها بذلك حُلة التقوى والطُهر والعفاف، وسد بذلك كل ذريعة تُفضي إلى الفاحشة. - قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]. - وقال –عزَّ وجلَّ-: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]. - وقال –عزَّ وجلَّ-: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
  • ويقول –عزَّ وجلَّ-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ
الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. ونبينا –صلى الله عليه وسلم-، نهاها أن يجد ريحها وعطرها الرجال الأجانب. - فقال – عليه الصلاة والسلام-: «أيُّما امرأةً استعطرت فمرَّت على قومٍ ليجدوا من ريحها، فهي زانية».
  • وقال – صلى الله عليه وسلم- في نهيه عن الخلوة بالأجانب: «ألا
لا يخلون رجلٌ بامرأة، إلا كانا ثالثهما الشيطان». إلى غير ذلك من النصوص العظيمة، التي تهدف إلى صيانة المرأة المسلمة، وتحقيق عفتها وحفظ كرامتها، وإبعادها عن أسباب الشر وبذور الفساد، فنسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يحفظنا ويحفظ نساءنا ونساء المسلمين من كل شرٍّ وبلاء، وأن يجنبهن الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرد كيد من أراد بهن شرًّا في نحره، إنه سميع الدعاء وهو أهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه. أمَّا بعد.. عباد الله، روى الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيِّ أبواب الجنة شئت»، فهنيئا للمرأة المسلمة هذا الموعود الكريم والفضل العظيم، إن عاشت حياتها مطيعةً لله، ممتثلةً أوامره، محافظةً على ما أمر به سبحانه، مبتعدةً عن نواهيه، فإن عاشت حياتها كذلك، فإنها تعيش عيشةً كريمة وحياةً طيبة، ولها يوم القيامة موعود كريم وفضل عظيم، وذلك برضي الرب -جلَّ وعلا- عنها، ودخولها جنات النعيم، ونجاتها من عذاب الله -تبارك وتعالى-. أمَّا إذا اغترت المرأة بزخرف الحياة الدّنيا، وفتنها المتنوعة، ولهوها الباطل، وزيفها المنصرم، وعاشت حياة الفتن، وكانت أختًا للشيطان، فإذا ذهبت للسوق أو العمل، تبرجت وخالطت الرجال وتمايعت بدون حياء، وإذا ذهبت للأعراس خلعت لباس الستر، فتراهن كاسياتٌ عاريات، فإنها بذلك تفتن في دينها، ويضيع منها خلقها، وتذهب عنها عفتها، وتترحّل عنها الأخلاق والقيم والآداب. يقول – صلى الله عليه وسلم-: «صِنفان من أهل النار من أمتي، لم أرهما بعدُ، كاسياتٍ عارياتٍ مائلاتٍ مُميلات، على رؤوسهن مثل أسنمة البُخت، لا يدخلن الجنَّة، ولا يجدن ريحها، ورجالُ معهم سياطٌ مثل أذناب البقر، يضربون بها عباد الله»؛ ولهذا فإن على المرأة المسلمة، أن تتقي الله -جلَّ وعلا-، وأن تحافظ على طاعة ربها، وأن تمتثل أوامره -جلَّ وعلا-، وأن تبتعد عن كلّ البعد، عن أسباب الزّيغ والانحراف. وعلى أولياء الأمور أن يتقوا الله في نسائهم وبناتهم، وأن يحققوا القوامة فيهن، بحسن رعايتهن، وتمام تأديبهن، وأخذهن بآداب الشريعة وضوابطها القويمة المستقيمة، فإنكم محاسبون عن بناتكم ونسائكم، «كُلُّكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته»، فكونوا أهل غيرةٍ رجالًا بمعنى الكلمة وعليكم بالإكثار من الدعاء بصلاح النفس والأهل والذرية بقولكم كما قال الله –عزَّ وجلَّ-:﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾[الفرقان:74].  ومن هنا يجب على الجميع أن يفهم أن حب الوطن ليس معناه إقامة حفلات الرقص والغناء، والاختلاط بين الرجال والنساء، أو التبرج والسفور، أو الإسراف في الماء، أو مواجهة الله –عزَّ وجلَّ- بالذنوب والمعاصي، إنما حب الوطن بالمحافظة على حدود الله رجالًا ونساءً، وإقامة توحيد الله –عزَّ وجلَّ-، وتقوى الله – عزَّ وجلَّ- في أوطاننا، وإقامة سُنَّة نبينا، والبعد عن الشرك والبدع والمعاصي، فهذه هي أسباب الهلاك إن فعلها العبد، وإن حافظ على طاعة الله أمن في وطنه، فاحفظوا أوطانكم بتقوى ربكم. اللهم إنَّا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنَّا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن،﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾[الفرقان:74]، اللهم إنَّا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد.