خصائص عشر ذي الحجة
خصائص عشر ذي الحجة
  | , 3208   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: خصائص عشر ذي الحجة
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 29 ذي القعدة 1434هـ

 

خطبة جمعة بعنوان " خصائص عشر ذي الحجة"

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: عباد الله، اتقوا الله –تعالى-، واعلموا أن تقوى الله –جل وعلا- خير زاد يبلغ إلى رضوان الله –تعالى-؛ يقول –عز وجل-: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾[البقرة:197]. عباد الله، إننا سنعيش إن شاء الله أيامًا فاضلة، وأزمنة شريفة، وموسمًا مباركًا، ووقتًا هو خير وقت، ومغنمًا هو مغنم للخير والعمل الصالح. عباد الله، إننا سنعيش هذه الأيام، الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجة، وهي أيام مباركات، خصها الله –جل وعلا- بخصائص، وميزها بميزات، وقفة من المؤمن مع خصائص هذه الأيام، تجدد النشاط فيه؛ ليقبل بقلبه ونفسه على طاعة الله –جل وعلا- وحسن العبادة وحسن الإقبال عليه –سبحانه-. فمن خصائص هذه الأيام أن الله –عز وجل- اختارها واصطفاها، وجعلها أفضل أيام السنة على الإطلاق، والله –جل وعلا- يخلق ما يشاء ويختار، فجعل –سبحانه- هذه الأيام الأول من شهر ذي الحجة خير الأيام وأفضلها. ومن خصائص هذه الأيام وفضائلها أن الله –تبارك وتعالى- أقسم بها تشريفًا لها، وتعليةً من شأنها، وذلك في قوله –جلا وعلا-: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾[الفجر:1-2] يقول ابن عباس وغيره من المفسرين: المراد بالعشر في هذه الآية العشر الأول من شهر ذي الحجة. ومن خصائص هذه الأيام أنها خير أيام العمل الصالح؛ فما تقرب إلى الله متقرب بعبادة أفضل من التقرب إليه –تبارك وتعالى- في هذه الأيام الشريفة الفاضلة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس –رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر» يعني العشر الأول من شهر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه، ولم يرجع من ذلك بشيء». ومن خصائص هذه العشر –عباد الله- أنها أيام تجتمع فيها أمهات الطاعات ما لا يجتمع في غيرها من أيام السنة، ففي هذه العشر تجتمع أمهات الطاعات: الصلاة والصيام والحج والذبح وغيرها من الطاعات الجليلة، والعبادات العظيمة، ولا يتأتى اجتماع هذه الطاعات إلا في هذا الوقت الشريف الفاضل. ومن خصائصها أن الله –تبارك وتعالى- جعلها موسمًا لحج بيته الحرام، وجعل فيها أيامه العظام؛ ففي هذه العشر يوم التروية، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وفيه يصعد الناس من مكة إلى منى ملبين بالحج، وفيها يوم عرفة، وهو خير يوم طلعت فيه الشمس، وفيها يوم النحر، وهو أعظم الأيام عند الله، كما صح بذلك الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر». عباد الله، هذه جملة من الخصائص والفضائل لهذا الموسم العظيم الفاضل، فماذا سنقدم أيها المؤمنون؟ ماذا سنقدم تجاه هذه الأيام الفاضلة؟ أحالنا مع هذه الأيام سيكون مماثلًا مع أيام السنة؟ أأدركنا –عباد الله- قيمة هذه الأيام وفضلها ومكانتها؟ أم أنها وبقية أيام السنة عندنا سواء؟ عباد الله، هل تحركت قلوبنا؟ هل ستتحرك قلوبنا في هذه الأيام توبةً وإنابةً إلى الله وإقبالًا على طاعته؟ أم هي ساكنة لا تتحرك؟ عباد الله، لقد جرت عادة تجار الدنيا أن لا يفوتوا المواسم العظيمة، بل يستعدون لها أتم استعداد، بجلب البضائع، وإحضار السلع، وبذل الأوقات، وبذل الجهود العظيمة، وهذا موسم رابح لتجار الآخرة من أهل الآخرة، وحسن الإقبال على الله –جل وعلا- فماذا سيكون حالنا مع هذه الأيام؟ عباد الله، في هذه الأيام –عشر من ذي حجة- يشرع التكبير المطلق، وهو في جميع الأوقات، من أول دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق؛ لقول الله –سبحانه-: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾[الحج:28] وهي أيام العشر، وقوله –عز وجل-: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾[البقرة:203] وهي أيام التشريق، ولقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله –عز وجل-» رواه مسلم في صحيحه، فيشرع التكبير في كل وقت من الأوقات، كما ذكر البخاري في صحيحه تعليقًا عن ابن عمر وأبي هريرة –رضي الله عنهم- أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. وأما التكبير المقيد الذي يكون بعد الصلوات المفروضة، فهذا يشرع من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وقد دل على مشروعية ذلك الإجماع، كما نقله الإمام أحمد –رحمه الله-، وفعل الصحابة –رضوان الله عنهم-. اللهم اجعلنا من الطائعين، وجنبنا ذنوب الهالكين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: عباد الله، مما يشرع للمسلم في هذه العشر المباركة الصدقات بأنواعها، وبذل الإحسان، وصلة الأرحام، والبر بأبوابه الفسيحة ومجالاته الواسعة، ومن الأعمال الصالحة التي يشرع للمسلم العناية بها في هذه العشر المباركة أن يتقرب إلى الله –جل وعلا- بنحر أضحيته في يوم النحر -اليوم العاشر من هذه الأيام- تقربًا إلى الله، وطلبًا لثوابه؛ فإن الحجاج –حجاج بيت الله الحرام- يتقربون إلى الله في يوم النحر بنحر الهدايا، والمسلمون في البلدان يتقربون إلى الله –جل وعلا- بنحر وذبح الضحايا، ولأهمية هذه الأضحية وعظم أجرها، اختلف العلماء في حكمها، فنص بعضهم على وجوبها، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-، ولكن الصحيح هو قول جمهور العلماء، أنها سنة مؤكدة، لا ينبغي على قادر وواجد أن يتركها، وأول وقتها بعد صلاة العيد، وينتهي وقت الأضحية بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، لكنه يسن أن يذبحها بعد صلاة العيد؛ حتى يأكل منها مباشرة، كما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يفعل. والذي يضحى به بهيمة الأنعام فقط؛ لقوله –تعالى-: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾[الحج:34]، وبهيمة الأنعام هي الإبل، والبقر، والغنم من ضأن ومعز، وتجزئ الواحدة من الغنم عن الشخص الواحد وأهله، ويجزئ سبع البعير أو سبع البقرة عن ما تجزئ عنه الواحدة من الغنم؛ لحديث جابر –رضي الله عنه- قال: نحرنا مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم. ويشترط بلوغ السن المعتبر شرعًا للأضحية، بأن تكون ثنيًّا إن كان من الإبل أو البقر أو الماعز، وجذعًا إن كانت من الغنم، فالثني من الإبل ما تم له خمس سنين، والثني من البقر ما تم له سنتان، والثني من الماعز ما تم له سنة، والجذع من الغنم ما تم له نصف السنة، ويشترط كذلك بالأضحية السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، وهي المذكورة في حديث البراء بن عازب –رضي الله عنه-، قال –رضي الله تعالى عنه-: قام فينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: «أربع لا تجوز -وفي رواية: لا تجزئ- في الأضاحي: العوراء البين عوارها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسير التي لا تنقي». رواه الخمسة. ويستحب في الأضحية تثليثها، كما في قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «كلوا وادخروا وتصدقوا». رواه مسلم من حديث عائشة –رضي الله عنها-، وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «كلوا وأطعموا وادخروا». رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع. عباد الله، قد جاء في صحيح مسلم عن نبينا –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئًا»، وفي رواية: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره». رواية فيها أمر بالإمساك عن الشعر والأظافر والجلد، ورواية فيها النهي عن الأخذ من الشعر والأظافر، والأمر الأصل فيه للوجوب، والنهي الأصل فيه للتحريم؛ ولهذا –عباد الله- فإن من أراد أن يضحي، فعليه إذا دخلت العشر أن لا يأخذ من شعره ولا من أظافره شيئًا حتى يضحي، ودخول العشر في هذه السنة إما بعد مغرب يوم السبت، أو مغرب يوم الأحد، حسب الرؤية الشرعية، وهذا حكم خاص بمن أراد أن يضحي، أما أهله وأولاده ومن يضحي عنهم، فإنه لا يشملهم ذلك الحكم، وكذلك من كان موكلًا بذبح الأضحية وليس هو صاحبها، فإنه لا يشمله النهي، ويجوز له الحلق، أي حلق الشعر، ويخطئ من يظن أن ذلك إحرام، أو يسميه إحرامًا، بل يجوز له الطيب والجماع وغير ذلك مما يمنع على المحرم، ومن أخذ من المضحين من شعره أو أظفاره، فإنه يأثم بذلك، لكن ليس عليه كفارة، ولا يضر ذلك أضحيته شيئًا، فإن أضحيته مجزئة، وإنما عليه التوبة والاستغفار. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الطائعين، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.