خصائص العشر الأول من ذي الحجة
خصائص العشر الأول من ذي الحجة
  | , 1840   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: خصائص العشر الأول من ذي الحجة
  • الشيخ: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • الألبوم: خطبة جمعة ألقاها 27 ذو القعدة عام 1436هـ في مسجد السعيدي بالجهراء، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء

   
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد،،، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد،،، عباد الله، اتقوا الله تعالى، وأعلموا أن تقوى الله -عزَّ وجلَّ-، خير زاد يُبَلِّغُ إلى رضوان الله -سبحانه وتعالى-، يقول -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:197]. معاشر المؤمنين، سيقدُم علينا أيامٌ فاضلة، وأزمنةٌ شريفة، وموسمٌ مباركٌ، ووقتٌ هو خيرُ وقتٍ، ومغنَمٌ للخير والعمل الصالح. عباد الله، إنه سيَقْدُم علينا، الأيامُ العشرُ الأُوَل من شهر ذي الحجة، وهي أيامٌ مباركات، خصها الله -عزَّ وجلَّ- بخصائص وميزها بميزات، وقفةٌ مع المؤمن مع خصائص هذه الأيام، تُجَدِدُ النشاط فيه، ليُقْبِل بقلبه ونفسه، على طاعة ربه، وحُسن العبادة وحُسن الإقبال عليه -سبحانه-. فمن خصائص هذه الأيام: أن الله -عزَّ وجلَّ- اختارها واصطفاها، وجعلها أفضل أيام السنة على الإطلاق، والله -جلَّ وعلا- يخلُق ما يشاء ويختار، فجعل –سبحانه- هذه الأيام العشر الأُوَل من ذي الحجة، خيرُ الأيام وأفضلِهَا. ومن خصائص هذه الأيام، وفضائلها: أن الله -تبارك وتعالى- أقسم بها في كتابه الكريم؛ تشريفًا لها، وتعليةً من شأنها، وذلك في قوله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:1-3]. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: "المراد بالعشر في الآية: العشر الأول من شهر ذي الحجة". ومن خصائص هذه الأيام: عباد الله، أنها خيرُ أيام العمل الصالح، فما تقرب إلى الله متقربٌ بعبادة، أفضل من التقرب إليه -تبارك وتعالى-، في هذه الأيام الشريفةِ الفاضلة، ففض صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من أيامٍ، العمل الصالح فيها أحبُ إلى الله، من هذه العشر -يعني العشر الأول من شهر ذي الحجة-» قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ، خرج بماله ونفسه، ولم يرجع من ذلك بشيء». ومن خصائص هذه العشر: أنها أيامٌ، تجتمع فيها أمهاتُ العبادات والطاعات، ما لا يجتمع في غيرها من أيام السنة، ففي هذه العشر، تجتمع أمهات الطاعات، الصلاة والصيام والحج والذبح، وغيرها من الطاعات الجليلة، والعبادات العظيمة، ولا يتأتى اجتماعُ هذه الطاعات، إلا في هذا الوقت الشريف الفاضل. ومن خصائصها: أنَّ الله -تبارك وتعالى-، جعلها موسمًا لحج بيت الله الحرام، وجعل فيها أيامه العِظَام، ففي هذه العشر يوم التروية، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وفيه يصعد الحجاج من مكة إلى منى، مُلَبِين بالحج، وفيها يوم عرفة، وهو خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمس، الذي صيامه يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، فيها يوم النحر، وهو أعظم الأيام عند الله، كما صح بذلك الحديث، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أعظم الأيام عند الله، يوم النحر». عباد الله، لقد جرت عادةُ تُجَّار الدنيا، ألا يُفَوِتُوا المواسم العظيمة، بل يستعدوا لها أتم استعداد، بجلب البضائع وإحضار السلع، وبذل الأوقات وبذل الجهود العظيمة، وهذا موسم رابحٌ لتُجَّار الآخرة، من أهل الآخرة، وحُسن الإقبال على الله -جلَّ وعلا-، فما هي حالنا مع هذه الأيام؟ عباد الله، يُشْرَعُ في أيام عشر من ذي الحجة، التكبير المطلق، وهو في جميع الأوقات، من أول دخول شهر ذي الحجة، إلى آخر أيام التشريق، لقول الله -عزَّ وجلَّ-:﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:28] وهي أيام العشر. وقوله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:203] وهي أيام التشريق. ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله -عزَّ وجلَّ-» رواه مسلم في صحيحه. وذكر البخاري في صحيحه تعليقًا، عن ابن عمر وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهم-، أنهما كانا يخرجان إلى السوق، أيام العشر، فيُكَبِّرَانِ ويُكَبِّرُ الناسُ بتكبيرهما. وأما التكبير المُقَيَّد، الذي يكون بعد الصلوات وفي أدبار الصلوات المفروضة، فهذا يكون من صلاة الصبح، يوم عرفة، إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق، وقد دلَّ على مشروعية ذلك الإجماع، كما قاله الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، وفعل الصحابة -رضوان الله عليهم-. اللهم اجعلنا من الطائعين، وجنبنا دروب الهالكين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه، أما بعد،،، عباد الله، مما يُشرع للمسلم في هذه العشر المباركات، الصدقات بأنواعها، وبذل الإحسان، وصلة الأرحام، والبر بأبوابه الفسيحة، ومجالاته الواسعة، والصيام وغير ذلك من الطاعات، ومن الأعمال الصالحة، التي يُشْرَعُ للمسلم العناية بها، في هذه العشر المباركة، أن يتقرب إلى الله -جلَّ وعلا-، بِنَحْرِ أُضْحِيَته في يوم النحر، وهو اليوم العاشر من هذه الأيام؛ تقربًا إلى الله وطلبًا لثوابه، فإن الحُجاج، حُجاج بيت الله الحرام، يتقربون إلى الله -سبحانه وتعالى- يوم النحر، بنحر الهدايا والمسلمون في البلدان، يتقربون إلى الله -جلَّ وعلا- بنحر وذبح الضحايا، يقول عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2]. وعن أنسٍ: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان يُضَحِي بِكَبْشَيْن أملحَيْن أقرنَيْن، ويُسَمِي ويُكَبِّر، ويضَعُ رجله على صِفَاحِهِما"، وفي لفظٍ "ذبحهما بيده" متفقٌ عليه. ولأهمية هذه الأضحية، وعِظَمِ أجرها، اختلف العلماء في حكمها: فنص بعضهم على: وجوبها، رجحه شيخ الإسلام ابن تيميه. ولكن الصحيح هو قول جمهور أهل العلم: أنها سُنةٌ مؤكدة، لا ينبغي على قادرٍ وواجد أن يتركها. وأول وقتها: بعد صلاة العيد وهو الأفضل، فيأكل من أضحيته بعد صلاة العيد. وينتهي وقت الأضحية: بغروب الشمس من آخر يوم، من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة. والذي يُضَحَى به: بهيمةُ الأنعام فقط، لقوله -عزَّ وجل-: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:34] وبهيمةُ الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم من ضأنٍ ومعزٍ، وتجزؤ الواحدة من الغنم، عن الشخص الواحد، ويجزئ سُبْعَ البعير أو البقرة، عما يُجزئ عنه الواحدة من الغنم؛ لحديث جابر -رضي الله عنه- قال: "نحرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" رواه مسلم. ويشترط: بلوغ السن المعتبر شرعًا في الأضحية، بأن تكون ثنيًا إن كان من الإبل أو البقر أو الماعز، وجذعًا إن كان من الغنم. فالثني من الإبل، ما تمَّ له خمس سنين، والثني من البقر، ما تمَّ له سنتان، والثني من الماعز، ما تمَّ له سنة. والجذع من الغنم، ما تم له نصف سنة. ويشترط كذلك في الأضحية: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، وهي المذكورة في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: "قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي -وفي رواية «لا تجزيء»- العَوْراء البَيِّنُ عورها، والمريضة البَيِّنُ مرضها، والعرجاء البَيِّنُ ضلعها، والكسيرُ التي لا تُنْقِي -أي الهزيلة الضعيفة-» رواه الخمسة. فهذه العيوب، و ما كان أشد منها، مانعةٌ من الإجزاء، وما كان دونها، فإنها لا تمنع الإجزاء، ولكنها تُنْقِصُ الأجر والثواب، كمكسورة أكثر من نصف القرن، ومشقوقة الأذن ونحو ذلك. وكلما كانت أسمن وأطيب ،كانت أعظم عند الله وأكثر أجرًا. عباد الله، يستحبُ في الأضحية تثليثها، ولا يجوز أن يعطي الجزار، أجرته منها، كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كلوا وادخروا وتصدقوا» رواه مسلم من حديث عائشة. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كلوا وأطعموا وادخروا» رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع. فسُنة الأكل منها، تبين لنا أن الأفضل في الأضحية، ذبحها في بلدك، وعدم إخراجها إلى البلد إحياءً للسنة. عباد الله، قد جاء في صحيح مسلم عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره، وبشره شيئا»، وفي رواية: «إذا رأيت هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليُمْسِك عن شعره وأظفاره». رواية فيها الأمر بالإمساك، ورواية فيها النهي عن الأخذ عن الشعر والأظافر، والأمر الأصل فيه للوجوب، والنهي الأصل فيه للتحريم؛ ولهذا -عباد الله- فإن من أراد أن يضحي، فعليه إذا دخلت العشر، ألا يأخذ من شعره، ولا من أظافره شيئًا، حتى يُضَحِي، وهذا حكمٌ خاصٌ، بمن أراد أن يُضَحي، أما أهله وأولاده، ومن يضحي عنهم، فإنهم لا يشملهم ذلك الحكم، وكذلك من كان مُوَكلًا بذبح الأضحية، وليس هو صاحبها، فإنه لا يشمله النهي، ويجوز له الحلق، ويخطئ من يظن أن ذلك إحرامًا، ويسميه بالإحرام، بل يجوز له الطيب والجماع وغير ذلك مما يُمنع على المحرم، ومن أخذ من المضحين، من شعره أو أظفاره، فإنه يأثم بذلك، فعليه التوبة والاستغفار، لكن ليس عليه كفارة، ولا يضر ذلك أضحيته، فإن أضحيته مجزأةٌ عند الله -سبحانه وتعالى- إن شاء الله. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.