تنبيه العقلاء إلى حرمة قتل السفراء
تنبيه العقلاء إلى حرمة قتل السفراء
  | , 1159   |   طباعة الصفحة


  • تنبيه العقلاء إلى حرمة قتل السفراء.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  •  المكان: خطبة جمعة في يوم 24 ربيع الأول عام 1438هـ في مسجد السعيدي بالجهراء، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

   
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد.. عباد الله، إن ديننا الإسلامي الحنيف دينٌ عظيمٌ جاء بكل خلقٌ فضيل، ونهى عن كل خلقٌ رذيل أمر بالإحسان في كل شيءٍ ولكل شيء، وأمر بالعدل على كل أحدٍ مع كل أحدٍ في كل حال فلا يجوز الظلم ولا الغدر ولا الخيانة حتى مع الكافر، خصوصًا لمن كان له عهدٌ وميثاقٌ مع المسلمين. قد جاء الأمر بالوفاء بالعهود والمواثيق في كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فقال اللَّه –عزَّ وجلَّ- : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا[الإسراء:34]. وجعل نبينا -صلى الله عليه وسلم- الغدر والخيانة من علامات المنافقين، فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُما- أن رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كان فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. والغادر الخائن يفضح يوم القيامة بين الأشهاد وأمام العالمين، عن ابن مسعودٍ وابن عمر وأنسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أجمعين- قالوا: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعن أبي سعيدٍ الخدري -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لكل غادرٍ لواءٌ يوم عند (اسْتِهِ) يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «قال اللَّه تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حرًا فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. هكذا ديننا الحنيف –عباد الله- يعظم الأمانة وينكر الغدر والخيانة، وإذا كان الغدر يؤدي إلى فتنٍ وبلاءٍ على الإسلام والمسلمين، ودول الإسلام فإن الإثم أعظم، والخطر أكبر كما يفعله بعض مدّعي الجهاد من قتل الأجانب والسفراء واغتيالهم، والتفجير فيهم في بلاد الإسلام فإن هذا من أعظم الغدر والخيانة، ومن أنكر المنكرات إن هؤلاء الأجانب مستأمنون في بلاد المسلمين لم يدخلوها إلا بإذن، فلا يجوز الاعتداء عليهم لا بالضرب ولا بالنهب فضلًا عن القتل فدماؤهم وأموالهم معصومة، والمتعرض لهم على خطرٍ كبيرٍ. كما روى البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو -رضِي الله تعالى عنهما- عن النبِيِ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من قتل معاهدًا لم يرِح رائِحة الجنةِ وإِن رِيحها توجد مِن مسِيرةِ أربعِين عامًا». وروى البخاري ومسلم عن أمِ هانِئٍ بِنتِ أبِي طالِبٍ -رضي الله عنها- قالت: "ذهبت إِلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عام الفتحِ فوجدته يغتسِل وفاطِمة ابنته تستره فسلمت عليهِ، فقال: «من هذِهِ» فقلت: "أنا أم هانِئٍ بِنت أبِي طالِبٍ" فقال: «مرحبًا بِأمِ هانِئ» فلما فرغ مِن غسلِهِ قام فصلى ثمانِي ركعاتٍ ملتحِفًا فِي ثوبٍ واحِدٍ. فقلت: يا رسول اللهِ زعم ابن أمِي علِي أنه قاتِلٌ رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة فقال رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانِئ» قالت أم هانِئ: وذلِك ضحًى". هكذا الإسلام يعظم جوار المرأة فكيف بأمان ولاة أمور المسلمين، قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: "ومن أعطاهم الأمان منَّا من رجلٍ، أو امرأةٍ، أو عبدٍ جاز أمانه"، وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم، والتعرض لهم. ويصح من كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ مختار ذكرًا كان أو أنثى، حُرًا كان أو عبدًا. وبهذا قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن القاسم، وأكثر أهل العلم. انتهى كلامه –رحمه الله-. وأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الرسل والسفراء للكفار لا يقتلون، ولا يجوز الغدر بهم فقد جاء عددٌ من وفود الكفار والنصارى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يغدر بأحدٍ منهم. عن ابن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: "جاء ابن النواحة وابن أثال رسولا مسيلِمة إِلى النبِي -صلى الله عليه وسلم- فقال لهما: «أتشهدانِ أنِي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟» قالا: نشهد أن مسيلِمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «آمنت بِاللهِ ورسوله: لو كنت قاتِلًا رسولًا لقتلتكما». قال ابن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه-: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل (أي: سفراء الكفار)" رواه أحمد، وأخرجه أبو داوود في سننه. عن نعيم بن مسعودٍ الأشجعي قال: "سمِعت رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول لهما حِين قرآ كِتاب مسيلِمة: «ما تقولانِ أنتما؟» قالا: "نقول كما قال". قال «أما واللهِ لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما»". قال صاحب عون المعبود عند شرحه لهذا الحديث: (فِيهِ دلِيلٌ على تحرِيم قتل الرسل الواصِلِين مِن الكفار، وإِن تكلموا بِكلِمةِ الكفر فِي حضرة الإِمام؛ أي: عند رئيس الدولة)، وجاء في قصة إسلام المغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى عنه- ما يدلّ على تحريم الغدر حتى بالكافر فقد كان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية من الكفار فقتلهم، وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أما الإسلام فقد قبلنا وأما المال فإنه مال غدرٍ لا حاجة لنا فيه. هكذا الإسلام». هكذا الإسلام -عباد الله- يراعي المصالح، وينهى عن المفاسد يحرم كل أمرٍ فيه مضرةٌ على المسلمين وإحداث الفتن والبلاء. فيجب علينا -عباد الله- أن نقيس الأمور بمقياس الشرع والدين لا مقياس العقل والعاطفة فإن الرأي دون الشرع مهلك، والعاطفة دون ضوابط عاصفة. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد.. عباد الله، يعيش الناس هذه الأيام القادمة أعياد النصارى بما يسمى بعيد رأس السنة يحتفلون فيه بميلاد إلههم، هذا العيد الكفري الذين ينسبون فيه الولد إلى الله -عزَّ وجلَّ- ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدً﴾ [مريم:90-91] وللأسف فإن بعض أهل الإسلام يشاركونهم في هذا الاحتفال، وهذا محرمٌ ولو بأي نوعٍ من أنواع المشاركة والتهنئة. يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "أما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرامٌ بالاتفاق وذلك مثل أن يهنئهم بأعيادهم فيقول: عيدك مبارك، أو تهنأ بهذا العيد. فهذا إن سلم قائله من الكفر -والعياذ بالله- فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه فمن هنأ عبدًا بمعصيةٍ أو بدعةٍ أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وسخطه" انتهى كلامه -رحمه الله-. ومما قرره أئمتنا ما قاله الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: "أما التهنئة بالأعياد فهذه حرامٌ بلا شك أي: أعياد النصارى، وربما لا يسلم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضًا بها، والرضا بالكفر كفرٌ ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى بعيد الكرسمس، أو عيد الفَصْح أو ما أشبه ذلك فهذا لا يجوز إطلاقًا. حتى وإن كانوا يهنئونا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم، والفرق أنّ تهنئتهم إيانا بأعيادنا تهنئة حقٍ، وأن تهنئتنا إياهم بأعيادهم تهنئةٌ بباطل" انتهى كلامه -رحمه الله-. ومن صور الاحتفال بأعيادهم ما يفعله كثيرٌ من المسلمين من بيع ما يتعلق بهذا الاحتفال من الأشجار أو الصور أو الألوان التي تدل على عيدهم، وكذلك ما يفعله بعضهم من إشعال الألعاب النارية في رأس السنة عند منتصف الليل. وإنك حقًا لتأسف أن ترى مثل هذه الأعمال التي يقوم بها بعد المسلمين. ثم اعلموا أن النصارى أنفسهم مختلفون في وقت الميلاد اختلافًا شديدًا، والقرآن يخالفهم في وقت الميلاد فهم يقولون في آخر السنة، والله -عزَّ وجلَّ- يقول: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:25]. إِذَنْ فميلاد المَسيح -عليهِ السَّلام- إِنما كان فِي أَيَّام نُضج التَّمر فِي الخَرِيف يَوْم كانت الحرارَة قد بلغت أشُدَّها. وهذا يكون في الصيف ولا يكون في آخر السنة. فاتقوا الله-عزَّ وجلَّ- وحققوا الولاء والبراء تكونوا من المهتدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم انصر دينك وأعلي كلمتك، اللهم ثبتنا على التوحيد والسنة. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.