الصيف عبرة واختبار
الصيف عبرة واختبار
  | , 2252   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: الصيف عبرة واختبار
  • اللقاها:الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 17 رجب 1435هـ ونقلت مباشرا على إذاعة موقع ميراث الأنبياء

 

الخطبة الأولى:

عباد الله، إننا نعيش أيام وفصلا من فصول السنة إنما هو موعظة للمتقين، وعبرة للمؤمنين الذين يتفكرون فيتذكرون، وإلى ربهم يرجعون ويتوبون ويتقون، هذا الصيف الذي نعيشه حره وسمومه وشمسه الحارقة ليذكرنا بتلك الدار التي هي دار الكافرين والفاسقين، تلك الدار التي وقودها الناس والحجارة {كلا إنها لظى نزاعة للشوى} [ المعارج: 15، 16] أي: تنزع اللحم والجلد عن الرأس؛ حتى لا تترك فيه شيئا، تلك الدار التي تتنوع فيها أصناف العذاب وأنواع العقاب، طعامهم الزقوم وشرابهم الحميم وردغة الخبال؛ وهي عصارة وصديد أهل النار {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه، فاعتلوه إلى سواء الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم، ذق إنك أنت العزيز الكريم}[الدخان:43: 49]. إن شدة الحر التي نعيشها، وهذا السموم الذي يمر بنا إنما هو من نفس جهنم لنتذكرها فنعمل على الهرب منها، يقول عليه -الصلاة والسلام-: "إذا اشتد الحر، فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" ، وجاء في الحديث الآخر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: " اشتكت النار إلى ربها فقالت ياربي أكل بعضي بعضا، فأذن الله -عز وجل -لها بنفسين، نفس في الشتا ونفس في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر فمن سمومها"، نسأل الله أن يجيرنا وإياكم من هذه الدار الذي فيها الجليد الصقيع الذي يكسر العظام ألا وهو الزمهرير وبالمقابل نار شديدة أشد من نار الدنيا بتسع وستين مرة، فالعذاب فيها له صور عديدة وأنواع شديدة فتذكر إن رأيت الشمس الحارة موقف الناس يوم القيامة للحساب حتى تعمل لهذا اليوم روى مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود -رضي الله عنه -أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "تدنوا الشمس يوم القيامة من الخلق؛ حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه -أي: خصريه- ومنهم من يلجمه العرق إلجاما" والميل قيل ميل المكحلة وهي الحديدة التي تستخدم للكحل، وقيل ميل المسافة فتكون الشمس بهذه المسافة من رؤوس الخلائق يوم القيامة، كل ذلك في يوم مقداره خمسين ألف سنة، كما جاء في الحديث الصحيح: " أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، أي غير مختونين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" نعم عباد الله ليس بسنة ولا سنتين ولا قرن ولا قرنين، بل خمسين ألف سنة ويزيد هذا القرب شدة هو الوقوف والانتظار تحت لهيب شمس قريبة من الرؤوس حتى إنهم من شدة عرقهم ليغوص العرق في الأرض سبعين زراعا، ثم يرتفع حتى يصل عند بعض الناس إلى رؤوسهم، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه -قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم  إلى الأرض سبعين زراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم" فماذا أعددنا عباد الله؟ لذلك الكرب الشديد من عمل ماذا اعددنا له من الطاعات؟ إن على العبد المؤمن أن يجتهد غاية الاجتهاد حتى يقي نفسه من حر ذلك اليوم وعرق ذلك الوقت ويكون في ظل عرش الرحمن -سبحانه وتعالى- وفي ظل عمله وصدقته، فالعمر مزرعتك التي تجني ثمارها يوم القيامة إن خيرا فخير وإن شرا فلا تلومن إلا نفسك عباد الله إن الإيمان بالله والعمل الصالح له أثر عظيم في تخفيف هذا الكرب الشديد ومرور ذلك الوقت الطويل من غير عناء ولا مشقة، فقد روى الحاكم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-بإسناد صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر" وهناك من الأعمال الكثيرة التي تكون سببا لتستظل بعرش الرحمن وتبعد عن لهيب الشمس الحارقة التي لا تغيب خمسين ألف سنة، فمن ذلك إنذار المعسر صاحب الدين؛ حتى يسدد دينه وتخفيف الدين عنه والرفق به، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من نفس عن غريمه، أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة " رواه مسلم، وكذلك التحاب في الله فتحب أخاك في الله لا لمصلحة ولا لدنيا، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: "يقول الله -عز وجل -يوم القيامة أين المتحابون لجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" وكذا التصدق في سبيل الله وإعطاء الفقراء ما تجود به النفوس والإكثار من ذلك، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته"، وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس" وكذلك حفظ سورة البقرة وآل عمران وتعلمهما، فقد روى بريدة الأسلمي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهروان، يظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان، أو غايتان، أو فرقان من طير صواف " رواه أحمد. عباد الله إن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قد بين لنا أشياء كثيرة من الطاعات تنجينا من حر، ومن شدة الحر يوم القيامة وقد جمع، لنا سبعة من الأعمال، من الأعمال الفاضلة التي من عملها لله وأخلص فيها لله كان في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمع عليه وافترق عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال، فقال إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" فهنيئا لك أخي المسلم يا من تحرص على عدم التعرض للهيب الشمس المحرقة في الدنيا، وتوصي أبناءك بذلك أن تحرص كل الحرص على أن تقي نفسك، وأهلك حر هذه الشمس يوم القيامة وحر النار بعد ذلك {ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}[التحريم:6] أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم من ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  

الخطبة الثانية

  الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد.... عباد الله، إننا في أيام الجميع فيها مستعد بعد ذلك للاختبارات، فأولياء الأمور حريصون على أولادهم يحثونهم على الدراسة وبذل أسباب النجاح، والطلاب يدرسون ويتعبون للحصول على الدرجات العالية، وهذا الاختبار المصغر يجب أن يذكرنا بالاختبار الأعظم، والامتحان الكبير الذي يجب أن نحرص فيه على أسباب النجاح ونحصل فيه على الدرجات العلا، إن حياتنا كلها عباد الله اختبار وامتحان وهو اختبار عام شامل للكبير وللصغير  وللمتعلم والجاهل، وللرجل والمرأة ، {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك:2]. فالذي يريد النجاح يجتهد فيه عباد الله وحده لا شريك له ويجتهد، ويجتنب جميع أسباب غضب الله تعالى، الله ما خلقنا إلا لعبادته وحده لا شريك له {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]فالحياة كلها اختبار، فاجعل حياتك كلها لله {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له}[الأنعام: 162]، فالاختبارات والامتحانات تتوالى على العبد المسلم ليمتحن الله بها إيمانه {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون،ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا، وليعلمن الكاذبين}[ العنكبوب: 1: 3]. امتحان تكون نتيجته في قبرك، ويوم القيامة، إن قدمت خيرا فسترى خيرًا، وإن قدمت شرا فلا تلومن إلا نفسك، فاستعدوا لليوم الآخر، وكونوا من عباد الله المتقين تحوزوا جنات النعيم، كما أوصي المعلمين والطلبة بالحذر والتحذير من الغش في الاختبارات وعدم التساهل في ذلك "فمن غشنا فليس منا " اللهم إنا نسألك الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك السداد والتوفيق يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا ووالدينا من النار، ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.