ابن مسعود العالم القدوة رضي الله عنه
ابن مسعود العالم القدوة رضي الله عنه
  | ,, 1929   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: ابن مسعود العالم القدوة رضي الله عنه
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 21 محرم عام 1436هـ، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد،،، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد،، عباد الله فإن أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خير هذه الأمة، وأزكاها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأحسنها إتباعًا وإقتداءا بنبيها –صلى الله عليه وسلم-، وإن ميزان الاستقامة الصحيحة، واستقامتهم، وعقيدتهم، وهديهم فمن أحسن إتباعهم كان من المهتدين، ومن تنكب طريقتهم كان من الضالين يقول –عز وجل-: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾[البقرة:137]، ويقول سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[التوبة:100]. وإذا ذُكر علماء الصحابة، وفقهائهم كان عبد الله بن مسعود الهذلي –رضي الله تعالى عنه- في مقدمتهم فإن من السابقين الأولين، ومن العلماء الراسخين، ومن المجاهدين مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بسيفه ونفسه، ومن المجاهدين بفقهه وعلمه، مر عليه النبي –صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكرٍ وهو غلامٌ صغيرٌ يرعى صغيرٌ غنمًا لأحد كفار قريشٍ فقال له النبي –صلى الله عليه وسلم-: ‹‹هل من لبنٍ›› قال: نعم، ولكني مؤتمن فقال: ‹‹هل من شاةٍ لم ينزو عليها الفحل›› قال: فأتيته بشاةٍ فمسح ضرعها –صلى الله عليه وسلم-، ودعا فنزل لبنٌ فحلب في إناءٍ فشرب وسقى أبا بكر ثم قال للضرع: ‹‹اقلص›› فقلص فأتاه بعد ذلك فطلبه أن يعلمه من هذا القول الذي جاء به فمسح رأسه، وقال: ‹‹يرحمك الله إنك غُليمٌ مُعلَم››، وصدق الله كلام نبيه –صلى الله عليه وسلم-، فكان ابن مسعودٍ أحد كبار علماء هذه الأمة، وكان من ألصق الناس بالنبي  -صلى الله عليه وسلم-، ومن أكثرهم دخوًلا عليه؛ حتى كان الغريب يَقدَمُ المدينة فيظنه من آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-. شارك في غزوات النبي –عليه الصلاة والسلام- على نحول جسده، وقصر قامته، وكان معه يوم بدرٍ فمر بأبي جهل جريحًا فقتله، وجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشره بقتله ففرح بذلك فرحًا شديدًا، ومر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا وهو في المسجد يقرأ القرآن بصوته العذب، وتلاوته المتقنة فأخذ يستمع إليه واقفًا هو وأبو بكر وعمر فلما فرغ من قراءته ركع وسجد ثم أخذ يدعو ويستغفر فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ‹‹سل تعطه ثم قال: من سره أن يقرأ القرآن رطبًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبدٍ›› يعني؛ ابن مسعود، فلما طلع الصبح انطلق عمر يبشره، فوجد أبا بكر قد سبقه بالبشارة إليه، قال عمر: "وما سابقت أبا بكر إلى خيرٍ قط إلا سبقني –رضي الله عنهم- أجمعين". وكانت طريقتهم، وطريقة الصحابة في تعلم القرآن هي أحسن الطرق، وأعظمها نفعًا، وأبعد ما تكون عن أسباب الفتن، والانحراف الفكري، فكانوا إذا حفظوا عشر آياتٍ لم يحفظوا العشر التي تليها؛ حتى يعلموا ما فيها من العلم، والعمل فجمع الله لهم بين حفظ آياته، وفقه معانيها بخلاف من يحفظ القرآن على جهلٍ فربما غلط في فهمه فضلّ وأضل كما حصل لمن بعدهم، ولما ولي عمر الخلافة أرسله إلى أهل الكوفة معلمًا، ومفقهًا، ومفتيًا، وأخبرهم بأنه آثرهم على نفسه، وإلا فكان يرغب أن يستبقيه عنده في المدينة ليكون عونًا لعمر بعلمه، ورأيه، ومشورته، وفقهه، وقد نفع الله به أهل الكوفة فكم علّم من جاهل، وذكّر من غافل، وأطفأ من بدعة، واجتهد وجد فيما أُوكل إليه؛ حتى خرّج للأمة كوكبةً من كبار علماء التابعين، وعابديهم، وفقهائهم ، وصالحيهم. كان ابن مسعود –رضي الله تعالى عنه- من أقوم الناس بشأن التوحيد، والسنة، والزجر عن البدعة دخل على زوجته، وفي عنقها خيطٌ فسألها عنه فقالت: خيطٌ رقي لي فيه فأخذه فقطعه: وقال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ‹‹إن  الرقى والتمائم والتوله شرك›› ثم أرشدها أن تقول كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‹‹اذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا››، وسمع الناس مناديًا ينادي بعدما ناموا: مَن صلى في الجامع الأعظم دخل الجنة فقام الناس رجالًا ونساءً إلى المسجد الكبير يصلون فقيل لابن مسعودٍ: أدرك الناس وقصوا عليه ما جرى فخرج إليهم يناديهم، ويشير بثوبه اخرجوا لا تعذبوا فإنما هي نفخةٌ من الشيطان إنه لم ينزل بعد نبيكم كتابٌ، ولا ينزل بعده فخرجوا، وبلغه أن جماعة تحلقوا حلقًا في المسجد على كل حلقةٍ رجلٌ يقول: سبحوا مائة،كبروا مائة، هللوا مائة، فخرج إليهم، وزجرهم، وبين لهم أنهم على أحد أمرين؛ إما أنهم أعمق علمًا من أصحاب النبي –عليه الصلاة والسلام-، وإما أنهم أتوا ببدعة، وضلالة، وأغلظ عليهم؛ لأن النتائج للابتداع في دين الله تكون وخيمةً، وعظيمةً، وأليمة، فعامة أولئك المبتدعة في طريقة الذكر هم الذين ابتدعوا فتنة تكفير الصحابة، وقتالهم في زمن علي      -رضي الله عنه-، وهكذا البدع يجر بعضها بعضًا نسأل الله لنا ولكم العافية بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد،، عباد الله، فقد حفظت لنا كتب السنة جملةً طيبة من غرر كلام ابن مسعودٍ –رضي الله تعالى عنه-، وتوجيهاته، ونصائحه والتي كانت تخرج عن علمٍ راسخ، وفهمٍ ثاقبٍ، وقلبٍ مشفقٍ على الأمة، وإليكم نماذج منها؛ سؤل أبو موسى عن رجلٍ ضرب بسيفه في سبيل الله حتى قُتل أهو في الجنة؟ فقال أبو موسى نعم؟ فأنكر عليه ابن مسعودٍ –رضي الله تعالى عنه- إطلاق الجواب فقال: على سنةٍ ضرب أو على سنةٍ ضُرب أم على بدعة ؟ يعني؛ إن كان جهاده موافقًا للسنة، وعلى طريقة أهل العلم، وأفتوا فيه فهو في سبيل الله ، وإن كان القتال على بدعة أو في فتنة كما يفعله الخوارج فهذا ليس في سبيل الله والمقتول إلى النار والعياذ بالله. وكان يقول –رضي الله تعالى عنه-: (اتبعوا آثارنا، ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم)، وصدق فإن أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- كانوا على الصراط المستقيم، والمنهج القويم، فمن اتبعهم استقام، ومن ابتدع في الدين شيئًا لم يفعلوه ضل وانحرف. وكان يقول -رضي الله تعالى عنه-: (عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله عليكم بالعلم؛ فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه أو يفتقر إلى ما عنده ، وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، والتعمق، وعليكم بالعتيق). فبين -رضي الله تعالى عنه- أن العامة الفارقة بين الحق والباطل هو موافقة الأمر للعلم الموروث في كتاب الله، وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وطريقة أصحابه -عليه الصلاة والسلام-، ورضي الله عنهم أجمعين، ومن وزن الأمور بهذا الميزان أصاب الحق، واهتدى بإذن الله.  ومن غرر وصاياه -رضي الله تعالى عنه- قوله: (إنها ستكون أمورٌ مشتبهة، فعليكم بالتؤدة؛ فإن يكن الرجل تابعًا بالخير خير من أن يكون رأسا في الشر). إننا أحوج ما نكون إلى هذه الوصية العظيمة في هذا الزمن زمن الفتن التي تطيش لها الأحلام، وتحار فيها العقول إنها الوصية بالتؤدة وهي الأناة، والتروي، وعدم الاستعجال؛ لأن الاستعجال، ولا سيما من قِبل الشباب، ومن قِبل من قل نصيبه من العلم في إصدار الأحكام، واتخاذ المواقف، ولا سيما في القضايا الكبار التي تتعلق بالأمة يجر إلى شرورٌ عظيمة ربما لا يمكن علاجها، وتلافي آثارها إلا بعد دهورٍ طويلة، فتبعوا عباد الله كتاب ربكم، وسنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- على فهم وعمل سلفكم الصالح من الصحابة والتابعين لهمن وهذا هو معنى السلفية، وهذا هو معنى الإتباع. اللهم اجعلنا من المتبعين، ولا تجعلنا من الهالكين، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار صلى الله وسلم على نبينا محمد.