أمسك عليك لسانك (تحذير من المناهي اللفظية)
أمسك عليك لسانك (تحذير من المناهي اللفظية)
  | , 2284   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: أمسك عليك لسانك (تحذير من المناهي اللفظية)
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة ألقاها 29 شوال عام 1436هـ في مسجد السعيدي بالجهراء، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

   
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد،،، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد،، عباد الله فإن على المسلم أن يعلم أن الكلمة التي يتكلم بها بلسانه شأنها عظيم، فكلمة ترزقه السعادة، وكلمة تورده المهالك، فعن بلا بن حارث المزني -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم – قال: ‹‹إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها رضوانه، إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله –عز وجل- ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه›› رواه مالك والترمذي، لذلك كان اللسان عباد الله، شأنه عظيم وخطير، فالأعضاء كلها تذل وتخضع له، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ‹‹إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تُكفِر اللسان، تقول اتق الله فينا، فإن ما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا›› رواه الترمذي، ومن أراد النجاة والسلامة، فليكف وليمسك عليه لسانه، فعن عقبة بن عامر –رضي الله عنه- قال: ‹‹قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك›› رواه الترمذي، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بعد أن ذكر كثير من أمور الإسلام: ‹‹ألا أخبرك بِمِلاك ذلك كله؟! قال: قلت بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه فقال: كُف عليك هذا. قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به. فقال –عليه الصلاة والسلام-: وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم!››. فلذلك يجب على المسلم أن يحافظ على لسانه من أن يقول ما لا يُرضي الله –عز وجل- وأن يُدقق ويعيد النظر فيما يقوله وما يتلفظ به، فإن العبد أحيانا يقول كلمة لا يحسب لها حساب، تكون عند الله جرما عظيما، وإثما كبيرا، وهو لا يعلم كما مر في الحديث، وكما في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه - أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ‹‹إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل فيها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب›› متفق عليه، وهناك عدد من الألفاظ قد درجت على ألسن كثير من الناس، هي من قبيل الشرك بالله –سبحانه وتعالى- أو من قبيل المعاصي ولكنهم لا يعلمون، لذلك سأنبه على عدد من تلك الألفاظ، أما من أشكل عليه شيء أو لفظ شك فيه، فليسأل أهل العلم، وليقل خيرا أو ليصمت، فمن تلك الألفاظ عباد الله: أن يقول الإنسان: ما شاء الله وشئت، أو لولا الله وفلان، أو ما لي إلا الله وأنت، أو أنا عند الله وعندك، أو نحوها من الألفاظ، فإن ذلك كله لا يجوز، وشرك بالله –سبحانه وتعالى- لذلك أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت، وعن ابن عباس: أن رجلا قال ذلك، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: ‹‹أجعلتني لله نِدا! بل ما شاء الله وحده›› رواه النسائي. ومن الألفاظ المحرمة كذلك: قول الناس: عليّ كذا والباقي على الله، فإن في ذلك غلو في الأسباب، فإن الأمر كله لله، أوله وآخره، ومنها أن يقول: إن الله على ما يشاء قدير، فهذا خطأ لأن وصف الله بالقدرة أمر ذاتي أزلي، والقدرة شاملة لما يشاء الله وما لم يشاء، والصحيح أن يقول كما في كتاب الله –عز وجل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[النحل:77]، ومن ذلك سب الدهر أو الزمان أو الريح، وذلك لأن الله هو مصرف هذه الأمور، وما يجري فيها خير أو شر، ففي الصحيح عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: ‹‹يقول الله –عز وجل-: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر أُقلب الليل والنهار››، وفي رواية: ‹‹لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر›› أي هو الذي يُصرفه، وعن أُبي بن كعب – رضي الله عنه- قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: ‹‹لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها، وشر ما أُمرت به››، ومن الألفاظ المحرمة أيضًا قول الشخص: أدام الله بقاءك أو أيامك، لأنه من الاعتداء في الدعاء، لأن دوام الأيام محال، لقول الله –عز وجل-: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾[الرحمن:26]. وكذلك قولهم: أطال الله عمرك، لأن طول العمر قد يكون خيرا، وقد يكون شرا، فإن شر الناس من طال عمره، وساء عمله، فلو أنه قال: أطال الله عمرك على الطاعة ونحو ذلك فلا بأس، ومن الألفاظ استخدام لفظ: لو، كأن يقول: لو فعلت كذا لكان كذا وكذا، تحسرا على ما مضى، فإن ذلك لا يجوز، لأنها لا تفيد شيئا، وإنما تفتح باب الأحزان والندم، ففي الصحيح عن أبي هريرة –رضي الله عنه - أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: ‹‹احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، أو قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان›› ومن الألفاظ كذلك قول الإنسان عند تعزية شخص: انتقل إلى الرفيق الأعلى، لأن ذلك في علم الغيب فلا يجوز، وكذلك قولهم دُفن في مثواه الأخير، فهذا حرام لأن مقتضاه أن القبر آخر شيء له، فيتضمن إنكار البعث وما بعده من الحساب والجزاء، وكذلك قراءتهم للآية، أو كتابتهم لها عند التعزية في قوله –عز وجل-: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* َفادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[الفجر27:30]، فهذا لا يجوز شهادة له بالجنة، وهذا من علم الغيب، كما لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد حتى لو قُتل مظلومًا، أو قُتل وهو يُدافع عن الحق، فلا تقل استشهد فلان أو فلان شهيد، فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: ‹‹والله أعلم بمن يُكلم في سبيله››، وقد بوب الإمام البُخاري في صحيحه بقوله: باب لا يُقال فلان شهيد، لأن مدار الشهادة على القلب والإخلاص في ذلك، وهذا لا يعلمه إلا الله –عز وجل- ويستثني من ذلك ما جاء في الأدلة الصحيحة على تسميته شهيدًا، بعينه، كمثل عُمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان –رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة-. ومن الألفاظ المنكرة قولهم: شاءت الأقدار، أو شاءت إرادة الله، أو شاءت الظروف، وذلك لأن القدر والإرادة والظرف والزمان، لا مشيئة لها، وإنما هي بمشيئة الله –سبحانه- ومن المنهيات في الألفاظ، عدم الجزم في الدعاء كقولك: اللهم اغفر لي إن شئت، أو قول الناس: يغفر الله لك إن شاء الله، أو رحمك الله إن شاء الله، ونحوه، ففي الصحيح عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ‹‹لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مُكره له››. فالصحيح أن يقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، أو اسأل الله لك المغفرة والرحمة من غير ذكره لمشيئة الله –عز وجل- بقوله: إن شاء الله، كما أنه يحرم عليه أن يقول عن شخص: والله لا يغفر الله لفلان، فإن هذا من المهلكات، ففي صحيح مسلم: عن جندب بن عبد الله –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ‹‹قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله –عز وجل-: من ذا الذي يتألى عليّ؟!›› أي يحلف عليّ، ‹‹ألا أغفر لفلان؟! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك››، قال أبو هريرة –رضي الله عنه- تكلم بكلمة أوبق الدنيا هو وآخرته، كما يحرم عليه أن يقول: يعلم الله أني ما فعلت كذا، وهو في ذلك من الكاذبين، حين ينسب هذا الكذب إلى علم الله –عز وجل- فإن ذلك عند الله عظيم، كما قال ابن عباس –رضي الله عنه- بل قد عدها بعض أهل العلم من الألفاظ الكفرية، عافانا الله وإياكم، كما عليه اجتناب الحلف بغير الله – عز وجل- كالحلف بالآباء، أو الأبناء أو بحياة فلان، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ‹‹من حلف بغير الله فقد أشرك››، فمن حلف بغير الله قد أشرك. ومن الألفاظ المحرمة أيضًا اختصارهم لكلمة الحوقلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، بقولهم: لا حول لله، أو لا حول، فإن ذي ذلك نفي الحول والقدرة عن الله –عز وجل- وهذا أمر عظيم، لا ينتبه إليه الناس، ومنه قول بعضهم عند سماعه لمصاب فلان أو لشخص وقع عليه حادث فإن بعض الناس يقولون: والله فلان ما يستاهل، أو لا يستاهل، أو لا يستحق، فهذا اعتراض على قضاء الله –عز وجل- وقدره، وسوء أدب مع الله رب العالمين، فلا يظلم ربك أحد، ومن الألفاظ كذلك، دعاء صفات الله –عز وجل- نفسها، كقولهم: يا رضا الله، أو يا رحمة الله، وإنما الصواب أن تدعو الله –عز وجل- بصفاته، فتقول: يا رحمن ارحمني، يا الله ارض عني، فهذه عباد الله، جملة من الألفاظ التي يجب على المسلم أن يملك عنها لسانه. فعلى المسلم أن يملك على لسانه وأن يحافظ عليه من الزلل ومن الخطل والخطأ، عن سهل بن سعد –رضي الله عنه - عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ‹‹من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة›› متفق عليه، جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد،، عباد الله، إن من الألفاظ الشائعة بين الناس متعلمهم وعاميهم تسمية الدولة اليهودية المغضوب عليها باسم إسرائيل، وهذه ظاهرة خطيرة تمس كرامة نبي من أنبياء الله ورسول من سادة الرسل ألا وهو يعقوب –عليه الصلاة والسلام- فإسرائيل هو يعقوب، فكيف يُلصق باليهود ويُلصقون به، بل يسوق كثير من الناس اسمه في سياق ذم هذه الدولة فيقولون فعلت إسرائيل كذا، أو لعنة الله على إسرائيل، وهذا أمر منكر لا يجوز، وهذه التسمية من مكر وكيد اليهود، وقد انطلت على كثير من المثقفين فضلا عن العوام، فالله –عز وجل- قد ذم اليهود في القرآن الكريم كثيرا ولعنهم وحدثنا عن الغضب عليهم، لكن باسم اليهود وباسم أهل الكتاب وباسم الذين كفروا من بني إسرائيل، لا باسم إسرائيل النبي الكريم يعقوب –عليه الصلاة والسلام- وهؤلاء اليهود ليس لهم أي علاقة دينية بنبي الله يعقوب، ولا بإبراهيم –عليه الصلاة والسلام-: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران67:68]. عباد الله، إن باب الألفاظ الخاطئة، والتي قد تصل إلى حد الشرك بالله كثيرة وعديدة، بل تتجدد وتعدد، كلما ازداد الناس جهلا وابتعادا عن كتاب الله، وسنة نبيه –صلى الله عليه وسلم- ومجانبة لأهل العلم، والحرص على سؤالهم، فعلى العبد أن يتعلم دينه، ليلقى ربه طاهرًا، من الشِرك والبدع والذنوب والمعاصي فإن الإنسان محاسب على كل كلمة يقولها، قال الله –عز وجل-: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[ق: 18]، فعلى المسلم أن يُطهر لسانه، وأعماله عن كل ما يُغضب الله –عز وجل- كالغيبة والنميمة والغناء وقول الزور، وغير ذلك من معاصي اللسان، اللهم احفظ ألسنتنا إلا في رضاك، اللهم احفظ ألسنتنا إلا في رضاك، اللهم اجعلنا من الطائعين الذاكرين الشاكرين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد.