أشراط الساعة / خروج الدابة والنار وطلوع الشمس من مغربها
أشراط الساعة / خروج الدابة والنار وطلوع الشمس من مغربها
  | , 1390   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: أشراط الساعة / خروج الدابة والنار وطلوع الشمس من مغربها
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 17 صفر 1435هـ

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:- فإن أصدق الحديثِ كلام الله، وخير الهدي هديُ محمد- -صلى الله عليه وسلم--، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةً في النار، أما بعد:- عباد الله، لا زلنا في رحاب أشراط الساعة الكبرى، لعل المسلم يتذكر أنه مقبلٌ عليها، فيستعد لها بالعمل الصالح، ويحاسب نفسه على ما قدم من الأعمال، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للسائل متى الساعة؟ قال: ((ماذا أعدت لها؟)) فهذا هو الواجب على المسلم الإعداد ولاستعداد ليوم الميعاد. عباد الله، من علامات الساعة الكبرى: خروج الدابة وقد ذكر الله عز وجل ذلك في قوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82]، فيذكر الله تعالى أنه إذا وقع القول على العباد، ومعناه يشتمل على وقع الغضب من الله عز وجل على العباد؛ لبعد الناس عن الدين، وقلة العلم وأهله، وظهور الفساد في البر والبحر، فذاك أوان خروج الدابة فتكلم الناس. واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ فقيل: تخاطبهم مخاطبة، وتقول لهم: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. وقيل: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: تجرحهم على وجوههم، فتكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن، وجاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ((تخاطبهم وتجرحهم))، قال ابن كثير -رحمه الله-: وهذا القول ينتظم المذهبين وهو قوي حسن جامع لهما. وقال أيضا -رحمه الله تعالى-: هذه الدابة تخرج في أخر الزمان عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الصحيح، يخرج الله لهم دابةً من الأرض، قيل من مكة، وقيل من غيرها فتكلم الناس. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاثٌ إذا خرجن لا ينفع نفس إيمانها لم تكن أمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض)). وعن حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه- قال: طلع علينا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونحن نتذاكر، فقال: ((ما تذاكرون؟، قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات)) وذكر منها الدابة رواه مسلم، وله عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بادروا بالأعمال ستًا، طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال ، أو الدابة، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة)). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحى، فإيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا)). يقول ابن كثير -رحمه الله-: أي أول الآيات التي  ليست مألوفة وإن كان الدجال ونزول عيسى عليه السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشرٌ مشاهدتهم، وأمثالهم مألوفة، فإما خروج الدابة على شكلٍ غير مألوف ومخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان والكفر فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية، انتهى كلامه -رحمه الله-. وعمل هذه الدابة كما جاءت به الأحاديث أنها تسم الناس المؤمن والكافر، فأما المؤمن فيرى وجهه كأنه كوكب دري ويُكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نُكتةٌ سوداء ويكتب بين عينيه كافر، عن أبي أُمامه رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((تخرج الدابة تسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم)) أي يبقون فيكم ((عمرا حتى يشترى الدابة فيقال: ممن اشتريت؟ فيقول: من الرجل المخطم)) رواه أحمد وصححه الألباني. وأختلف في تعين هذه الدابة، وصفتها، ومن أين تخرج، اختلافًا كثيرًا، وليس في ذلك حديث سالم من الضعف، يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: وهذه الدابة المشهورة التي تخرج في أخر الزمان، وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، ولم يذكر الله، ولا رسوله كيفية هذه الدابة، وإنما ذكر أثرها المقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلامًا خارقًا للعادة، حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجةً، وبرهانًا للمؤمنين، وحجةً على المعاندين انتهى كلامه. وقد أنكر بعض المعاصرين خروج هذه الدابة، واستبعدوا ذلك، وبعضهم يأولونها بتأويلات فارغة، وليس لهم حجة في ذلك سوى أن عقولهم لا تتحمل ذلك، والواجب على المؤمن التصديق والتسليم لما جاء عن الله، وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن هذا من الإيمان بالغيب الذي مدح الله به المؤمنين. عباد الله، ومن علامات الساعة الكبرى التي تكون مع خروج الدابة، ومصاحبة لها طلوع الشمس من مغربها، يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: 158]، قد أجمع المفسرون أو جمهورهم على أنها طلوع الشمس من مغربها، وبيان ذلك في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رأها الناس أمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن أمنت من قبل)) متفق عليه. وعن صفوان بن عسال -رضي الله عنه-، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الله فتح بابًا قبل المغرب عرضه سبعون أو قال: أربعون عاما للتوبة، ثم لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه أحمد، وحسنه الألباني . فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانًا وتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها  لا تُقبل منه، وإنما كان كذلك والله أعلم؛ لأن ذلك من أشراط الساعة، وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها، فَعُمل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة، فإذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذٍ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وهذا هو السعيد وإلا لم يكن مصلحًا فأحدث توبة حينئذٍ فإنها لا تقبل منه توبته كذلك. فهذا حدث عظيم يا عباد الله، وهول مفزع يؤذن بتغير نظام الكون، وقرب قيام الساعة،  وفيه دليل على عظيم قدرة الله -عز وجل-، وأن هذه  الشمس مدبرة مخلوقة يعتريها الخلل بإذن الله تعالى. اللهم ارزقنا الإيمان الصادق، واليقين النافع الذي يدفع إلى العمل الصالح والاستعداد بالزاد النافع ليوم الميعاد قبل فوات الفرصة، ونهاية الأجل فالحمد لله رب العالمين.  

الخطبة الثانية

  الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:- عباد الله، ومن أخر علامات الساعة الكبرى: خروج نار من عدن اليمن تحشر الناس وتجمعهم في المحشر، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثةٍ على بعير، وعشرةٍ على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا)) فهذا الحشر هو حشر الموجودين في أخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة وهي أرض الشام، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة:
  • فصنف طامعين كاسين وراكبين.
  • وقسم يمشون تارة، ويركبون تارة أخرى، وهو يعتقبون على البعير الواحد.
  • وعشرة على بعير يعتقبونه من قلة الظهر.
وتحشر بقيتهم النار التي تخرج من قعر عدن، فتحيط بالناس من وراءهم من حول الأرض، وأقطارها تسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر وهي الشام، ومن تخلف منهم أكلته هذه النار، وهذا كله       مما يدل على أن هذا في أخر الزمان، وليس بعد نفخة البعث، فذاك حشر أخر حين يبعث الله الخلائق بالنفخ في الصور، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((تخرج نارٌ من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا)). ومنها حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ستخرج نار من حضرموت أو من نحو بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام)) رواه أحمد، والترمذي وغيرهما، وصححه الألباني. عباد الله، بعد ذلك يكون النفخ في الصور فزعًا، وصعقًا، وبعثًا فيحشرون مرة أخرى للحساب في يوم الميعاد إنها أهوال عظيمة تحتاج من المسلم أن يراجع نفسه هل أعد العدة للقاء الله وللحساب وللجزاء؟. اللهم ارحمنا ووالدينا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارحمنا ووالدينا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم عافنا واعفوا عنا، واستر علينا في الدنيا والأخرة. ربنا أتنا في الدنيا حسنة، وفي الأخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.