أسباب الطلاق
أسباب الطلاق
  | , 2958   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: أسباب الطلاق.
  • ألقاها : الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء - 23 ربيع الاخر 1433.

خطبة بعنوان ( أسباب الطلاق )

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى وراقبوه في الجهر والخفى، واستمسكوا بالعروة الوثقى، فمن اتقى الله صلحت دنياه وآخرته وحسنت مباديه وعاقبته، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق3:2]. عباد الله إن من القضايا المقلقة المفزعة ما يشهده مجتمعنا من تزايد في نسب الطلاق وكثرته، وما من شك أن الطلاق حكم شرعي ننظر إليه على أنه حكم شرعي بالرضا والتسليم، فحكم الله حق، وحكم الله خير، وحكم الله أحسن الأحكام، وأقومها وأعدلها، ولكن الشرع الحكيم جعله آخر الحلول، وسبقه بتوجيهات عظيمة يكفل تطبيقها ندرة الطلاق وقلته، فأمر بالعشرة بين الزوجين بالمعروف والإحسان، وحث على التغاضي والصفح، وأمر بالحلم والصبر، وأمر بعدم التمادي مع الغضب، أو اتخاذ القرارات في ثورة الغضب. حث عند حصول المشكلات الزوجية بوعظها، ثم بهجرها، ثم بضربها ضربًا غير مبرح، ثم بتحكيم طرفين عاقلين حريصين على مصلحة الزوجين، كل ذلك حتى لا تقع كارثة الطلاق، ثم نهى عن الطلاق في الحيض والنفاس؛ لأنه وقت لا يمكن فيه تمام استمتاع الرجل بالمرأة بخلاف شأنها في الطهر؛ ولأنها في تلك الأثناء تكون في حالة نفسية يشوبها شيء من الاضطراب والعصبية والتغير وتعكر المزاج، فهو مظنة التقصير في حقوقه. ولحكم أخرى تتعلق بالعدة وما لا يعلمه إلا الله، ونهى عن الطلاق بعد الجماع، فلا يطلقها إلا في طهر لما يجامعها فيه؛ لأنه قد يتبين حملها فيتراجع الزوج عن قراره الذي عزم عليه إذا علم أن في رحمها ولدًا، سيخرج إلى الدنيا يحمل اسمه وينتظر الفرحة به. والمقصود من هذا كله أن الطلاق وإن أذن فيه الشرع إلا أنه لم يكن حريصًا عليه، ولا جعله أول الحلول، ولا جعله مطلقًا منفلتًا بلا قيود. عباد الله إن أسباب الطلاق كثيرة ومنها ما يعود إلى أسباب يمكن تلافيها قبل وقوعها، ومن ذلك على سبيل المثال: التعجل في احتيار الزوج أو الزوجين، فلا يتحرى الرجل عن الفتاة، ولا ولي الفتاة عن الرجل، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، ويقول –صلى الله عليه وسلم- للفتاة ووليها: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» فينتج عن العدالة في الموافقة أن يكتشف الرجل في أهل بيته بعد الزواج خللًا أخلاقيًّا كبيرًا، أو تكتشف هي فيه ذلك من فعل فواحش أو تعاطي المسكرات والمخدرات، ثم يكون مصير تلك الأسرة إلى الانهدام السريع.
  • ومنها مخالفة الشرع في مسألة النظرة الشرعية، فبعض الآباء يرفض النظرة الشرعية فإذا تمت الدخلة رأى ما لا يناسبه، أو رأت ما لا يناسبها ويلائمها فتحدث النفرة، ثم تزداد حتى يقع الطلاق.
  • ومنها مخالفة الشرع في مسألة أخذ إذن الفتاة في التزويج، فبعض الأسر ترغم الفتاة على الزواج من فلان بن فلان، فتقدم العادة على الشرع، فتكون العاقبة  وخيمة، وتقع الندمة، ولكن بعد فوات الأوان.
  • ومنها الظلم والتعدي على مال الزوجة بغير حق.
  • ومنها الظلم في القسم والعدل بين الزوجات عند التعدد.
  • ومنها تقصير المرأة في شئون بيتها وزوجها بسبب عملها.
  • ومنها إرهاق المرأة الرجل بكثرة الطلبات والنفقات.
  • ومنها تدخل أهل الزوجين في شئونهما، وتحريض أحد الطرفين على الآخر.
  • ومنها سوء تعامل الزوجة مع أهل الزوج، وبناء العلاقة على أساس من العداوة والبغضاء، أو تعامل أم الزوج وأخواته مع زوج الابن أو زوجة الأخ على هذا الأساس.
  • ومنها ما يكون بسبب الطيش وخفة العقل، وقصر النظر، والتهاون في شأن عقد الزوجية، فترى الرجل يطلق لسبب تافه حقير لسرعة غضبه، أو لإظهار رجولته في ظنه، ولو ذهبنا نتتبع الأسباب لطال المقام، لكن فيما ذكر تنبيه على ما لم يذكر.
عباد الله إن الفائدة من سرد هذه الأسباب أن تكون منبهة على العلاج والدواء، فإن المرض إذا عرف إذا عرف سببه أمكن علاجه بإذن الله، والبعد عن هذه الأسباب، واجتنابها والتحلي بما يضادها مما يوافق الشرع كالخلق الكريم كفيل إن شاء الله باستمرار الحياة الزوجية السعيدة، وتجاوز ما يعترض طريقها من العقبات التي لا يكاد يخلو منها عش الزوجية، فإن مما نوصي به أنفسنا وإخواننا الحرص على التخلق بأخلاق الشرع، والوقوف عند حدوده في كل شئوننا. ومن ذلك ما يتعلق بالشئون الأسرية والقاعدة في ذلك: المعاشرة بالمعروف، بأن يقوم كل من الزوجين بواجبه تجاه صاحبه قدر الطاقة، مع ضرورة التغاضي عما يقع من الخلل من التقصير، فكما أن المرأة قد تقصر وتخطئ، ولاسيما من جهة لسانها وكلامها، فكذلك أنت أيها الرجل قد يقع منك تقصير وخلل، ولكن يبقى فيها يبقى فيها من المحاسن وجوانب الخير ما يزيد أو يكافئ ما فيها من النقص، وأنت بالنسبة لها أيضًا كذلك. يقول –صلى الله عليه وسلم-: «لا يترك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» يعني لا يبغض الزوج الزوجة لعيب فيها، فثمة محاسن تقابل ذلك العيب، وتغطيه من محبتها لك مثلًا، ورعايتها لشأنك وبيتك، وولدك ووالديك، وإعانتها لك على دينك إلى غير ذلك من الجوانب المشرقة. ومتى ومتى رأيت شيءً من الخلل والعوج فعالج المشكلة بنفسك، بالتي هي أحسن، فإن ضاق بك النظر والفكر، فاستشر أهل الخبرة والعلم والنصح، وفكر مليًّا في عواقب الطلاق ومآلاته، ولاسيما على المرأة التي قد تبقى عمرها أو كثيرًا من عمرها في بيت أهلها إن كان لها أهل بلا زواج، وما قد يجره ذلك من الضرر عليها في نفسها، أو خلقها، أو معيشتها، أو ما يضر، أو ما يجلبه من الضرر على وليها، والله –عز وجل- يقول: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾[البقرة:237]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: عباد الله لقد تساهل كثير من الأزواج بألفاظ الطلاق، فتجده يحلف بالطلاق على كل صغيرة وكبيرة، فيقول: عليّ الطلاق، أو يظاهر فيقول: حرام عليَّ زوجتي، أو أنتي عليَّ مثل أمي، بل يحذر حتى من ألفاظ الكناية عن الطلاق، فإنه قد يقع الطلاق بها بحسب نيته، مثل قوله: اذهبي إلى أهلك فإن نوى الطلاق كان طلاقًا، ثم من يتساهل يقع بعد ذلك بالحرج والضيق، فيذهب يبحث عن الفتاوى هنا وهناك وهذا من اللاعب بمثل هذه الألفاظ التي تبنى عليها أحكام شرعية. وقد يقع منه الطلاق مرارًا وتكرارًا وهو لا يهتم بما يقول وما يفعل، ولا يسأل عما قاله، فتكون معاشرته بالحرام، وأي مصيبة أعظم من هذا. واحذر يا عبد الله من الغضب فإنه من أسباب الطلاق، فالغضب داء فعالجه بالاستعاذة من الشيطان، والوضوء والابتعاد عن أسبابه، ولا تجعل ساعة غضب تحول حياتك وحياة أولادك إلى جحيم. وفكر مليًّا بما سيجره هذا القرار على أولادك وأطفالك الذين سيعيشون متشردين قلقين بين بيت أهل الأب وأهل الأم، وما يسمعون ويرون من المشكلات والخصومات والنزاعات التي لا تنتهي. إن التربية اليوم بالغة الصعوبة في بيوت آمنة مستقرة، فكيف بالتربية في بيوت متفككة وأسر متهدمة، إن قرار الطلاق ينبغي أن يؤجل إلى أن تنفد كل وسائل الإصلاح والعلاج، والحلول الممكنة تلافيًا لآثاره السيئة، ولو صح الحديث القائل: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» لاستشهدت به في هذا المقام، ولكنه ضعيف عند أئمة الحديث، كالألباني وغيره. وعلى من حصل منه الطلاق أن يسأل أهل العلم الموثوق بعلمهم، فليس كل من عرف بالعلم يفتي بالطلاق، وإن قدر الله وحصل الطلاق بين الزوجين، فليتقي الله أحدهما في الآخر، فلا يظلم الزوج الزوجة في نفقتها ومهرها، فيظلمها ويأخذ حقوقها، ولا تظلم المرأة زوجها فتكلفه ما لا يطيق، وتأخذ فوق حقوقها، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. اللهم أصلحنا وأصلح لنا ذرياتنا وأزواجنا، اللهم احفظ بيوتنا، واستر عوراتنا وصن أعراضنا،ـ اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.